المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : درر من كلام وأحوال السلف من كتاب إحياء علوم الدين


حسين عامر
02-25-2010, 10:27 PM
يعد كتاب كتاب إحياء علوم الدين من كتب الدين الجامعة خاصة في أعمال القلوب
والأخلاق و التربية .
وفيه من التأثير العجيب والفعل السريع في توجيه النفوس وإصلاحها ، وأوضح طريق فقه النفوس وكيفية مداواة عيوبها لترويضها على حب الخير .

والعلماء بالنسبة للكتاب على طرفي نقيض فمنهم من قال (من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء ) ومنهم من أدرجه تحت قائمة كتب حذر منها العلماء بسبب الأحاديث الضعيفة والموضوعة وحكايات الصوفية التي تخالف هدي الرسول صلى الله عليه وسلم
قال الإمام النووي: كاد الإحياء أن يكون قرآناً
ومن المنصفين ابن تيمية الذي يقول :
( و الإحياء فيه فوائد كثيرة ، لكن فيه مواد مذمومة ، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد و النبوة و المعاد ، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين .و قد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه و قالوا : مرضه "الشفاء" يعني "شفاء" ابن سينا في الفلسفة. و فيه أحاديث و آثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة ، و فيه أشياء من أغاليط الصوفية و ترهاتهم ، و فيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافقة للكتاب و السنة ، و من غير ذلك من العبادات و الأدب ما هو موافق للكتاب و السنة ، ما هو أكثر مما يردّ منه ، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس و تنازعوا فيه .)اهـ . المصدر :مجموع الفتاوى 10/55.

ومن خلال تصفحي للكتاب وجدت فيه دررا من كلام وأحوال السلف لا ينبغي أن تهمل ومن الممكن لإخواني الدعاة الاستشهاد بها في مواعظهم لذا عزمت أن أوثر بها منتدانا الحبيب راغبا من الله العون والقبول
ونبدأ إن شاء الله بكتاب العلم

حسين عامر
02-25-2010, 10:28 PM
كتاب العلم
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق، وقال علي أيضا رضي الله عنه: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه، وقال رضي لله عنه نظماً:

ما الفخرُ إلا لأهلِ العِلْم إنَّهـــم على الهدى لمن استهدى أدلاَّءُ

وقَدْرُ كلِّ امرىءٍ ما كان يُحْـسِنُه والجَاهِلُون لأهْل العلم أعَداءُ

ففُزْ بعلمٍ تَعِشْ حياً به أبــــداً النَّاسَ موتى وأهلُ العِلْمِ أحْياءُ

وسئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين .
ولم يجعل غير العالم من الناس لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم؛ فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمه فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنا منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد[الجماع] منه، بل لم يخلق إلا للعلم.
وقال بعضهم من اتخذ الحكمة لجاما اتخذه الناس إماما ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار
وقال الزبير بن أبي بكر كتب إلي أبي بالعراق عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالا وإن استغنيت كان لك جمالا وحكى ذلك في وصايا لقمان لابنه قال يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء.

وفي فضيلة التعلم
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. وكذلك قال ابن أبي مليكة رحمه الله: ما رأيت مثل ابن عباس، إذا رأيته رأيت أحسن الناس وجها، وإذا تكلم فأعرب الناس لساناً، وإذا أفتى فأكثر الناس علماً.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة. وقال أيضاً: كن عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك.(الرابع هو الجاهل )
وقال الشافعي رضي الله عنه: طلب العلم أفضل من النافلة. وقال ابن عبد الحكم رحمه الله: كنت عند مالك أقرأ عليه العلم فدخل الظهر فجمعت الكتب لأصلي، فقال: يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية.
وفي فضيلة التعليم :وقال عطاء رضي الله عنه دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك قال ليس أحد يسألني عن شيء .

وقال يحيى بن معاذ العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم قيل وكيف ذلك قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة

في العلم المحمود والمذموم
قال الغزالي (والملك والدين توأمان فالدين أصل والسلطان حارس وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع)
وقال الغزالي (فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكا طريق الحق )

حسين عامر
02-25-2010, 10:29 PM
قال الشافعي رحمه الله ما شبعت منذ ست عشرة سنة لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة .
وسئل الشافعي رضي الله عنه عن مسئلة فسكت فقيل له ألا تجيب رحمك الله فقال: "حتى أدري الفضل في سكوتي أو في جوابي"

وقال رحمه الله من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب
روى عبد الله بن محمد البلوي قال كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا نتذاكر العباد والزهاد فقال لي عمر ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا وكان الحارث تلميذ الصالح المري فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت فقرأ هذه الآية عليه ]هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون[ (المرسلات: 35 و 36) فرأيت الشافعي رحمه الله وقد تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطرابا شديدا وخر مغشيا عليه فلما أفاق جعل يقول: (أعوذ بك من مقام الكاذبين وإعراض الغافلين اللهم لك خضعت قلوب العارفين وذلت لك رقاب المشتاقين إلهي هب لي جودك وجللني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك)
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: (إذا أنت خفت على عملك العجب فانظر رضا من تطلب وفي أي ثواب ترغب ومن أي عقاب ترهب وأي عافية تشكر وأي بلاء تذكر فإنك إذا تفكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك)
وقال للشافعي يوما أيما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين، فقال الشافعي رحمه الله: (التمكين درجة الأنبياء ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة فإذا امتحن صبر وإذا صبر مكن ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكا، والتمكين أفضل الدرجات قال الله عز وجل ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض[ (يوسف: 56)، وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن، قال الله تعالى ]وآتيناه أهله ومثلهم معهم[ (الأنبياء: 84) الآية.
وقال وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إلي شيء منه
وقال: (ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ)، (وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه) وقال: (ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت محبته ولا كابرني أحد على الحق ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته).
وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: (ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى)ولكثرة دعائه له قال له ابنه أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء فقال أحمد: (يا بني كان الشافعي رحمه الله تعالى كالشمس للدنيا وكالعافية للناس)، فانظر هل لهذين من خلف

حسين عامر
02-25-2010, 10:30 PM
الإمام مالك رضي الله عنه

الإمام مالك رضي الله عنه وكان رحمه الله تعالى في تعظيم علم الدين مبالغا حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: (أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقال مالك: (العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية)
قال الشافعي رحمه الله: (إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسئلة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري)
وقال أيضا (إذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب وما أحد أمن علي من مالك).

قال الرشيد لمالك رحمه الله ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان رضي الله عنه الناس على القرآن فقال له أما حمل الناس على الموطأ فليس إليه سبيل لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا فعند كل أهل مصر علم ، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)، وقال صلى الله عليه وسلم: (المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد)
عن الشافعي رحمه الله أنه قال: (رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان ويقال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت لمالك رحمه الله ما أحسنه فقال هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله فقلت دع لنفسك منها دابة تركبها فقال إني أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة).
وقال مالك : (دخلت على هارون الرشيد فقال لي يا أبا عبد الله (ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ) قال فقلت أعز الله مولانا الأمير: (إن هذا العلم منكم خرج فإن أنتم أعزرتموه عز، وإن أنتم أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس).

حسين عامر
02-25-2010, 10:31 PM
أبو حنيفة رحمه الله تعالى

أبو حنيفة رحمه الله تعالى روي عن الربيع بن عاصم قال أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه فأراده أن يكون حاكما على بيت المال فأبى فضربه عشرين سوطا.
قيل لأبي حنيفة قد أمر لك أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم قال فما رضي أبو حنيفة قال فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى بالمال فيه صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلمه فقال بعض من حضر ما يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة أي هذه عادته فقال ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته وقال لابنه إذا مت ودفنتموني فخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن ابن قحطبة فقل له خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة قال ابنه ففعلت ذلك فقال الحسن رحمة الله على أبيك فلقد كان شحيحا على دينه وروي أنه دعي إلى ولاية القضاء فقال أنا لا أصلح لهذا فقيل له لم فقال إن كنت صادقا فما أصلح لها وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء

وأما الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى فأتباعهما أقل من أتباع هؤلاء وسفيان أقل أتباعا من أحمد ولكن اشتهارهما بالورع والزهد أظهر وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أفعالهما وأقوالهما فلا حاجة إلى التفصيل الآن

حسين عامر
02-25-2010, 10:32 PM
قال علي رضي الله عنه (( كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ))
وقال رضي الله عنه: (( قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك))، فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم يغرهم بتهتكه.
وقال عيسى عليه السلام لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء وفي لفظ آخر من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل ومن منعها أهلها فقد ظلم إن للحكمة حقا وإن لها أهلا فأعط كل ذي حق حقه.

أبو عبد الرحمن
02-26-2010, 10:19 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





وقفات مع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي
مهذَّب: (أبو حامد الغزالي والتصوف)
للشيخ عبد الرحمن دمشقية

تهذيب الشيخ سعد الحصين

تحميل (http://www.saad-alhusayen.com/files/waqafat_ghazaly.zip)

http://dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=75431

ماجد آل فريان
02-27-2010, 12:12 AM
بوركت أبا معاذ على هذا المجهود الطيب.
واصل نحن قد ركبنا معك في هذه الرحلة الماتعة.
كرماً ... حاول الفصل بسطر واحد على الأقل بين المقولات.
وكأني بالموضوع ألصق بملتقى الخطباء وليس براصد الملفات، وذلك لأنه متفاعل ومستمر، وليس ملفاً ينشر ويبقى دون حراك.
ننتظر مرئيات الشيخ حسين والإخوة الكرام.

أحمد الزهراني
02-27-2010, 07:35 AM
جزاك الله خير يا شيخ حسين

واعانكم ورعاكم .. وننتظر جديدكم..

حسين عامر
02-27-2010, 06:56 PM
الإخوة الكرام جزاكم الله خيرا على مروركم الكريم
وسوف نواصل رحلتنا مع الكتاب بعون الله

حسين عامر
02-27-2010, 07:01 PM
في آداب المتعلم والمعلم

قال ابن مسعود رضي الله عنه ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف في القلب وقال بعضهم إنما العلم الخشية لقوله تعالى: ]إنما يخشى الله من عباده العلماء[ (فاطر: 28).

وقيل العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك

قال الشعبي: صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال: زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: (( هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء))، فقبّل زيد بن ثابت يده وقال: ((هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم)).

وقال علي رضي الله عنه: (( قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك))، فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم يغرهم بتهتكه.



في آفات العلم وبيان علامات علما الآخرة والعلماء السوء

قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم قالوا وكيف يكون منافقا عليما قال عليم اللسان جاهل القلب والعمل

وقال الحسن، رحمه الله: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء.

وقال رجل لأبي هريرة، رضي الله عنه: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال: كفى بترك العلم إضاعة له.

وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.

وقال سفيان الثوري، رحمه الله: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.

وقال ابن المبارك: لا يزال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل

وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله إني لأرحم ثلاثة عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما تلعب به الدنيا
وقال الحسن عقوبة العلماء موت القلب وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة

يقول الإمام الغزالي :الدنيا والآخرة كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى وأنهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من احدهما بعدت عن الآخر وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلىء يفرغ الآخر .

وقال عمر رضي الله عنه إذا رأيتم للعالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم فإن كل محب يخوض فيما أحب .

قال الشاعر:

وراعى الشاة يحمي الذئبُ عنها **** فكيف إذا الرعاةُ لها ذئاب

وقال الآخر:

يا معشرَ القراء يا ملحَ البلدِ **** مايصلحُ الملح إذا الملحُ فسدْ

وأنشدوا:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً *** إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً **** فالموبقات لعمري أنت جانيها

تعيب دنيا وناسا راغبين لها **** وأنت أكثر منهم رغبة فيها

وقال آخر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله **** عار عليك إذا فعلت عظيمُ

وقال ابن السماك رحمه الله كم من مذكر بالله ناس لله وكم من مخوف بالله جرىء على الله وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله وكم من داع إلى الله فار من الله وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله.

وقال عمر رضي الله عنه: إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية. وقال الحسن: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا

روى عن حاتم الأصم تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما: أنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم منذ ثلاث وثلاثين سنة. قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثماني مسائل. قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل! قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا أحب أن أكذب. فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها.

[الأولى] قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي. فقال: أحسنت يا حاتم فما الثانية.

فقال: نظرت في قول الله عز وجل ]وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى~ فإن الجنة هي المأوى[ (النازعات: 40، 41) فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى.

الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل ممن معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل: ]ما عندكم ينفذ وما عند الله باق[ (النحل: 96) فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظا.

الرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى ]إن أكرمكم عند الله أتقاكم[ (الحجرات: 13) فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما.

الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قول الله عز وجل: ]نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا[ (الزخرف: 32) فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى فتركت عداوة الخلق عني.

السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا فرجعت إلى قول الله عز وجل: ]إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا[ (فاطر: 6) فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركت عداوة الخلق غيره.

السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى: ]وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها[ (هود: 6) فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده.

الثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق هذا على ضيعته وهذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحة بدنه وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله فرجعت إلى قوله تعالى: ]ومن يتوكل على الله فهو حسبه[ (الطلاق: 3) فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي. قال شقيق: يا حاتم وفقك الله تعالى

وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب شيئا من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه

قال الشعبي لا أدري نصف العلم

وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون وقال جنة العالم لا أدري فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله

وقال ابن حصين إن أحدهم ليفتي في مسئلة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر

وقال علي رضي الله عنه في حديث طويل :
القلوب أوعية وخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع لكل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق

وقال الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه

أبو عبد الرحمن
02-28-2010, 11:51 PM
مختصر منهاج القاصدين للمقدسى بصيغة pdf

http://www.ghazali.org/books/mmq-98.pdf (http://www.ghazali.org/books/mmq-98.pdf)

ولجمال الدين القاسمي تهذيب موعظة المؤمنين
http://www.ghazali.org/books/mm-qasmi.pdf (http://www.ghazali.org/books/mm-qasmi.pdf)

ولسعيد حوى المستخلص في تزكية الانفس:
http://www.ghazali.org/books/mustakh...t-al-anfus.pdf (http://www.ghazali.org/books/mustakhals-fi-tazkyat-al-anfus.pdf)

مختصر احياء علوم الدين:
http://www.ghazali.org/books/lubab.pdf (http://www.ghazali.org/books/lubab.pdf)

المصدر

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=128840 (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=128840)

حسين عامر
03-02-2010, 02:23 PM
الأخ الفاضل أبو عبد الرحمن زادك الله حرصا على الخير ونفع بك دوما لقد ازدان الموضوع بمشاركتك

حسين عامر
03-02-2010, 02:26 PM
رأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه )

ويروى أن الحسن نظر إلى رجل يعبث بالحصى ويقول اللهم زوجني الحور العين فقال بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت تعبث بالحصى

وقيل لخلف بن أيوب ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال لا أعود نفسي شيئا يفسد علي صلاتي قيل له وكيف تصبر على ذلك قال بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال فلان صبور ويفتخرون بذلك فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة .

ويروى عن مسلم بن يسار أنه كان إذا أراد الصلاة قال لأهله تحدثوا أنتم فإني لست أسمعكم .
ويروى عنه أنه كان يصلي يوما في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد فاجتمع الناس لذلك فلم يشعر به حتى انصرف من الصلاة

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه فقيل له مالك يا أمير المؤمنين فيقول جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها .

ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم .

ويروى عن حاتم الأصم رضي الله عنه أنه سئل عن صلاته فقال إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي أظنها آخر صلاتي ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل وأركع ركوعا بتواضع وأسجد سجودا بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص ثم لا أدري أقبلت مني أم لا.


وقال ابن عباس رضي الله عنهما ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه

وقال بعضهم الصلاة من الآخرة فإذا دخلت فيهاخرجت من الدنيا .

وقيل لآخر هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة فقال لا في الصلاة ولا في غيرها .

وسئل بعضهم هل تذكر في الصلاة شيئا فقال وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره فيها

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة قيل وكيف ذلك قال لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها .

وقال سلمة بن دينار الحمد لله أن قال( الذين هم عن صلاتهم ساهون) ولم يقل في صلاتهم

حسين عامر
03-02-2010, 02:31 PM
إعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف :
الوظيفة الأولى فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان

وفيه ثلاث معان
الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن المحبة لا تقبل الشركة والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن به درجة المحب بمفارقة المحبوب والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ولذلك قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة بالمال أهون

ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام

قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم

ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله وعمر رضي الله عنه بشطر ماله فقال صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك فقال مثله وقال لأبي بكر رضي الله عنه ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم بينكما ما بين كلمتيكما حديث جاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بشطر ماله الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من حديث ابن عمر

القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد قال الشعبي بعد أن قيل له هل في المال حق سوى الزكاة قال نعم أما سمعت قوله عز وجل وآتى المال على حبه ذوي القربى الآية واستدلوا بقوله عز وجل ومما رزقناهم ينفقون وبقوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة

القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وهي أقل الرتب وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة قال الله تعالى إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصى عليه لبخله فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عبادة ببذل الأموال

المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات قال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه

وقال تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا فالزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى

المعنى الثالث شكر النعمة فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله

الوظيفة الثانية في وقت الأداء ومن آداب ذوي الدين التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة في الامتثال بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان أن تعوقه عن الخيرات وعلما بأن في التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب

فما أسرع تقلبه والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر

وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ليكون ذلك سببا لنماء قريته وتضاعف زكاته وذلك كشهر المحرم فإنه أول السنة وهو من الأشهر الحرم أو رمضان فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الخلق وكان في رمضان كالريح المرسلة لا يمسك فيه شيئا حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الخلق وأجود ما يكون في رمضان الحديث أخرجاه من حديث ابن عباس ولرمضان فضيلة ليلة القدر وأنه أنزل فيه القرآن
وذو الحجة أيضا من الشهور الكثيرة الفضل فإنه شهر حرام وفيه الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات وهي العشر الأول والأيام المعدودات وهي أيام التشريق وأفضل أيام شهر رمضان العشر الأواخر وأفضل أيام ذي الحجة العشر الأول

الوظيفة الثالثة الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر حديث أفضل الصدقة جهد المقل ) أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث أبي ذر

وفي الحديث المشهور سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه حديث سبعة يظلهم الله في ظله الحديث أخرجاه من حديث أبي هريرة

وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة
وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطى فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي

الوظيفة الرابعة أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء فقد قال الله عز وجل إن تبدوا الصدقات فنعما هي وذلك حيث يقتضي الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير

وقد قال الله تعالى وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فقد يكون الإعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة اتضح له الأولى والأليق بكل حال

الوظيفة الخامسة أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل المن أن يذكرها والأذى أن يظهرها وقال سفيان من من فسدت صدقته فقيل له كيف المن فقال أن يذكره ويتحدث به وقيل المن أن يستخدمه بالعطاء والأذى أن يعيره بالفقر وقيل المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة

ما ذكر في معنى المن وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في الأمور فهذه كلها ثمرات المنة ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف
وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء بمثله وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل

الوظيفة السادسة أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال قال تعالى ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله عز وجل والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله عز وجل وقيل لا يتم المعروف إلا بثلاثة أمور تصغيره وتعجيله وستره وليس الاستعظام هو المن والأذى فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ولا يمكن فيه المن والأذى بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل

الوظيفة السابعة أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع
وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره هذا إن كان نظره إلى الله عز وجل

وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض فلا تؤثروا به ربكم وفي الخبر سبق درهم مائة ألف درهم حديث سبق درهم مائة ألف أخرجه النسائي وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرةوذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر الله عز وجل بشيء مما يحبه وبذلك ذم الله تعالى قوما جعلوا لله ما يكرهون فقال تعالى ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى

الوظيفة الثامنة أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوص تلك الصفات وهي ستة
الأولى أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدينا المتجردين لتجارة الآخرة قال صلى الله عليه وسلم (لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)

الصفة الثانية أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم فقيل له لو عممت فقال إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم للعلم أفضل

الصفة الثالثة أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه وهو أن يرى أن النعمة كلها منه وفي وصية لقمان لابنه لا تجعل بينك وبين الله منعما واعدد نعمة غيره عليك مغرما

الصفة الرابعة أن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التجمل قال الله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا أي لا يلحون في السؤال لأنهم أغنياء بيقينهم أعزة بصبرهم وهذا ينبغي أن يطلب بالتفحص عن أهل الدين في كل محلة ويستكشف عن بواطن أحول أهل الخير والتجمل فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال

الصفة الخامسة أن يكون معيلا أو محبوسا بمرض أو بسبب من الأسباب فيوجد فيه معنى قوله عز وجل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله أي حبسوا في طريق الآخرة بعيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب لا يستطيعون ضربا في الأرض لأنهم مقصوصوا الجناح مقيدوا الأطراف فبهذه الأسباب كان عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء على مقدار العيلة حديث كان يعطي العطاء على مقدار العيلة لم أر له أصلا ولأبي داود من حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه وأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا وسأل عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء فقال كثرة العيال وقلة المال

الصفة السادسة أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة رحم وفي صلة الرحم من الثواب ما لا يحصى قال علي رضي الله عنه لأن أصل أخا من إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما ولأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة والأصدقاء وإخوان الخير أيضايقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب فليراع هذه الدقائق

ماجد آل فريان
03-02-2010, 05:35 PM
بارك الله فيكم أبا معاذ

حسين عامر
03-03-2010, 09:06 PM
قال أبو أمامة الباهلي اقرءوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فإن الله لا يعذب قلبا هو وعاء للقرآن

وقال ابن مسعود إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين

وقال أبو هريرة إن البيت الذى يتلى فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين وإن البيت الذي لايتلى فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين
وقال الفضيل بن عياض ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد حاجة ولا إلى الخلفاء فمن دونهم فينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه .

وقال أيضا حامل القرآن حامل راية الإسلام فلا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن.

ويروى أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اقرأ علي القرآن فقرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى الآية فقال له فأعاد فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمورق وأن أعلاه لمثمر وما يقول هذا بشر .

وقال الحسن والله ما دون القرآن من غنى ولا بعده من فاقه.

وقال ابن مسعود ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون وبنهاره إذا الناس يفرطون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون.

وقال بعض السلف إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها فقيل له وكيف ذلك فقال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته وقال بعض العلماء إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم نفسه ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم .

وقال ابن مسعود أنزل القرآن عليهم ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به.

وفي حديث ابن عمر وحديث جندب رضي الله عنهما لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ينثره نثر الدقل حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا دهرا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن الحديث تقدما في العلم .

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لما سمعت رجلا يهذر القرآن هذرا إن هذا ما قرأ القرآن ولا سكت .

وقال ابن عباس رضي الله عنه لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة .

وقال أيضا لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.

أبو عبد الرحمن
03-03-2010, 11:17 PM
كتاب إحياء علوم الدين

ومعه تخريج الحافظ العراقي رحمه الله

المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار
تصفح
http://islamport.com/w/krj/Web/3325/1.htm (http://islamport.com/w/krj/Web/3325/1.htm)


تحميل
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot/gap.php?file=000748-www.al-mostafa.com.pdf

أبو عبد الرحمن
03-03-2010, 11:34 PM
كتاب: الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين من قبل أمير المؤمنين ابن تاشفين


المؤلف: الشيخ محمد المغراوي

الصنف: الملل والنحل والردود على الفرق الضالة

ملحوظات: هذا الكتاب يبين الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين من قبل أمير المؤمنين علي بن يوسف بن تاشفين بعدما أفتى علماء المغرب والأندلس في عصره كالطرطوشي وغيره بوجوب إحراقه ، والكتاب يرد على مزاعم بعض المؤرخين والمستشرقين وكثير من أهل الباطل الذين يزعمون أن إحراقه كان لسبب سياسي. فالكتاب يفند ذلك ويبين أنه كان نصحا للأمة دفاعا عن العقيدة والشريعة وردا للبدع والشركيات التي يعج بها. وقد طبع الكتاب للمرة الأولى في المطبعة الوطنية بمراكش سنة 1412 ثم طبع للمرة الثانية في دار المنار بالرياض- سنة 1414هـ وأعيد طبعه للمرة الثالثة في مؤسسة الرسالة ببيروت سنة 1426هـ.
موقع المؤلف: http://www.maghrawi.net (http://www.maghrawi.net/)

الملف بصيغة الوورد DOC: الحجم: Kb 819.77 التحميل: [ http://www.maghrawi.net/images/tahmil.gif (http://www.maghrawi.net/?taraf=boocks&op=mydown&did=23)اضغط هنا (http://www.maghrawi.net/?taraf=boocks&op=mydown&did=23) ]

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=33322

حسين عامر
03-09-2010, 04:33 AM
إخواني وأحبابي الكرام ما أنقله هنا لو تفضلتم بقراءة المقدمة لفهمتم مقصدي وهذا ما قلته في المقدمة :
(ومن خلال تصفحي للكتاب وجدت فيه دررا من كلام وأحوال السلف لا ينبغي أن تهمل ومن الممكن لإخواني الدعاة الاستشهاد بها في مواعظهم لذا عزمت أن أوثر بها منتدانا الحبيب راغبا من الله العون والقبول )

حسين عامر
03-09-2010, 04:34 AM
قال ثابت البناني رحمه الله‏:‏ إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ففزعوا منه وقالوا‏.‏

كيف تعلم ذلك فقال‏:‏ إذا ذكرته ذكرني‏.‏

وقال تعالى ‏"‏ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ‏"‏
قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أي بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والمرض والصحة والسر والعلانية‏.‏

وقال تعالى في ذم المنافقين ‏"‏ ولا يذكرون الله إلا قليلاً ‏"‏
وقال عز وجل ‏"‏ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ‏"‏

وقال تعالى ‏"‏ ولذكر الله أكبر ‏"‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ له وجهان أحدهما أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكركم إياه والآخر‏:‏ أن ذكر الله أعظم من كل عبادة سواه‏.‏
وقال أبو هريرة رضي الله عنه إن أهل السماء ليتراءون بيوت أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها

فاعلم أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى‏.‏

وفي الأخبار ما يدل عليه أيضاً وحضور القلب في لحظة بالذكر والذهول عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضاً قليل الجدوى‏.‏

بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات وهو غاية ثمرة العبادات العملية‏.‏

وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الأنس والحب لله وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر عنه والمطلوب ذلك الأنس والحب‏.‏

فإن المريد في بداية أمره قد يكون متكلفاً بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر الله عز وجل‏.‏

فإن وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور‏.‏

ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فإن من المشاهد في العادات أن تذكر غائباً غير مشاهد بين يدي شخص وتكرر ذكر خصاله عنده فيحبه وقد يعشق بالوصف وكثرة الذكر‏.‏

ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف أولاً صار مضطراً إلى كثرة الذكر آخراً بحيث لا يصبر عنه‏.‏

فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره‏.‏

ومن أكثر ذكر شيء - وإن كان تكلفاً - أحبه‏.‏

فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الأنس بالمذكور والحب له ثم يمتنع الصبر عنه آخراً فيصير الموجب موجباً والثمر مثمراً‏.‏

وهذا معنى قول بعضهم‏.‏

كابدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة‏.‏

ولا يصدر التنعم إلا من الأنس والحب‏.‏

ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعاً‏.‏

فكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول الطعام يسبشعه أولاً ويكابد أكله ويواظب عليه فيصير موافقاً لطبعه حتى لا يصبر عنه فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف‏.‏

هي النفس ما عودتها تتعود‏.‏

أي ما كلفتها أولاً يصير لها طبعاً آخراً‏.‏

حسين عامر
03-12-2010, 04:52 AM
قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها

وقال مجاهد‏:‏ إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات‏.‏

وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضاً إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات‏.‏

ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يطلع البشر عليها‏.‏

ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له‏:‏ أعلى الله تبالغ أشهد لقد رأيت حبيباً العجمي يدعو وما يزيد على قوله‏:‏ اللهم اجعلنا جيدين اللهم لا تفضحنا يوم القيامة اللهم وفقنا للخير والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكان يعرف بركة دعائه‏.‏

وقال بعضهم‏: ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق‏.‏

وقال سفيان بن عيينة‏:‏ لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله ‏"‏ إذ قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين ‏"‏

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله‏:‏ من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما

وقال يحيى الغساني ‏"‏ أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم

فقال أحدهم‏:‏ اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا‏.‏

وقال الثاني‏:‏ اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا اللهم إنا أرقاؤك فأعتقنا‏.‏

وقال الثالث‏:‏ اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا ‏"‏

ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس‏:‏

اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلابذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال‏.‏

علي القرعاني
03-13-2010, 10:58 AM
بارك الله فيكم وفي جهودكم يا شيخ عامر

وكما اسلفت, هذه المقتطفات والنّبذ جميلة لو صاغ عليها أو ضمّنها الخطيبُ خطبتَه في مواضيع السلوك والتهذيب..
والامام أبو حامد - عفا الله عنه - بارع في هذا الباب.

عبدالله الخديري
03-13-2010, 07:04 PM
بارك الله بجهود أخينا -الشيخ حسين عامر- على هذه اللمحات الرائعة عن الائمة الاعلام الاجلاء، وما من شك أن هؤلاء نبراس للامة تحتذي وتتأسى بهم، ولهذا يقول عبدالله ابن مسعود -رضي الله عنه-:" تأسوا بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"، وما من شك أن ذكر هؤلاء الأئمة؛ قدوة لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام.

ولعلي؛ سأذكر أربعة أبيات عن تواضع الائمة بعضهم لبعض، رغم علو شأن بعضهم عن الاخر في وقتهم.

يقول الامام الشافعي، -وهو يمدح الامام أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه-:

لقد زان البلاد وما عليها *** إمــــــام المسلمين أبو حنيفة
بآثارٍ وآياتٍ وفقــــــــــهٍ *** كآياتِ الزبور على الصحيفة
فما في المشرقين له نظير*** ولا بالمغربين ولا بكوفـــــة
فرحمة ربنا أبداً عليه *** مدى الايام ما قرئت صحيفــــــة

حسين عامر
03-16-2010, 03:17 AM
الأخ عبدالله والأخ علي جزاكما الله خيرا
على كلماتكم المباركة ومشاركتكم التي زانت الموضوع

حسين عامر
03-16-2010, 03:18 AM
نقل عن بعض السلف قوله عن رسول الله ‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد كان جذع تخطب الناس عليه فلما كثر الناس اتخذت منبراً لتسمعهم فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتهم .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل ‏"‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله ‏"‏
بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى ‏"‏ عفا الله عنك لم أذنت لهم ‏"‏

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال عز وجل ‏"‏ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ‏"‏

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا )

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجراً تتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت لك الذراع‏:‏ لا تأكلني فإني مسمومة بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا فلقد وطىء ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيراً فقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحاً في كثرة سنه وطول عمره وآمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤاً لك ما جالستنا ولو لم تنكح إلاكفؤأ لك ما نكحت إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفؤاً لك ما واكلتنا فلقد والله جالستنا ونكحت إليها وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعاً منك صلى الله عليك وسلم‏.‏

حسين عامر
03-16-2010, 03:21 AM
قال قتادة رحمه الله‏:‏ القرآن يدلكم عن دائكم ودوائكم‏.‏

أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار‏.‏

وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ العجيب ممن يهلك ومعه النجاة قيل وما هي قال الاستغفار‏.‏

وكان يقول‏:‏ ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ قول العبد ‏"‏ أستغفر الله ‏"‏ تفسيرها‏:‏ أقلني‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار‏.‏

وقال الربيع بن خيثم رحمه الله‏:‏ لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنباً وكذباً إن لم يفعل ولكن ليقل‏:‏ اللهم اغفر لي وتب علي‏.‏

وقال الفضيل رحمه الله‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏

وقالت رابعة العدوية رحمها الله‏:‏ استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئاً بالله عز وجل وهو لا يعلم‏.‏

وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول‏:‏ اللهم إن استغفاري مع إصراري للؤم وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك‏!‏ يا من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين‏.‏

ودعا أبو عبد الله الوراق‏ فقال :‏
‏"‏ اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك واستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار وسواد الليل في ملأ أو خلاء وسر وعلانية يا حليم‏.‏

أبو عبد الرحمن
03-18-2010, 10:42 AM
إخواني وأحبابي الكرام ما أنقله هنا لو تفضلتم بقراءة المقدمة لفهمتم مقصدي وهذا ما قلته في المقدمة :

(ومن خلال تصفحي للكتاب وجدت فيه دررا من كلام وأحوال السلف لا ينبغي أن تهمل ومن الممكن لإخواني الدعاة الاستشهاد بها في مواعظهم لذا عزمت أن أوثر بها منتدانا الحبيب راغبا من الله العون والقبول )




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شيخنا وحبيبنا حسين عامر وفقه الله


هذا الموضوع سبق طرحتموه باختلاف يسير في موقعكم الجميل (الراشدون (http://www.housseinamer.net/index.php?option=com_content&view=category&id=72&Itemid=69)) على هيئة مقالات ، وعلى هيئة مشاركة مسلسلة في المنتديات في الموقع المسمى باللغة العربية (الملتقى (http://www.ikhwan.net/vb/showthread.php?t=85944)) و بالإنجليزية( الإخوان)، ولي معه هذه الوقفات الأخوية :


1-منتقدو الكتاب هم الجمهور الأعظم من علماء الأمة وفيهم من هو أشعري بل ومن تلاميذه، وفي كتاب الشيخ دمشقيه ومختصره الذي أرفقته في مشاركة سابقة حصر لكثير منهم ونماذج من مزالقه، وكذا كتاب الشيخ المغراوي المشار إليه في مشاركة سابقة لي في هذا الموضوع ،وكتاب إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين للشيخ على حسن على عبد الحميد ، وهم لا ينازعون في علمه لا سيما في أصول الفقه والفقه الشافعي وردوده على الفلاسفة والباطنية، ولكنهم نصحا للأمة لا يجاملون في المزالق العقدية الخطيرة ورواية الموضوعات وما لا زمام له ولا خطام مما ينسب للسلف دون سند أو عزو، والذي عبر عنه شيخ الإسلام بعبارة بليغة ( فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين) نقلتموها مشكورين في صدر حديثكم، و ما التحذير منه إلا موجه في الأصل لصنفين : العامة ، ومن لا خبرة له من شداة العلم ، صيانة لهم ، أما العالم المتمكن فغير مقصود بالتشديد في التحذير لأغراض البحث والرد ، سواء في ذلك كتب البدع أم ما هو أشد ، فتقسيم العلماء المحذرين منه، إلا غلاة ومنصفين – الذي ذكره بعض الكتاب- غير دقيق في نظري لأن لكل من أقوالهم مناط مختلف ينبغي أن تحمل عليه أقوالهم ، و أما من شذ فلا عبرة به وليس من الإنصاف حشر سواد علماء الأمة لكونهم لم يفصلوا تحته.



2-القول المنسوب للإمام النووي : كاد الإحياء أن يكون قرآنا . الذي نسبه إليه عبد القادر بن شيخالعيدروس في كتابه ( تعريف الأحياء بفضائل الإحياء ) المطبوع بحاشية إحدى طبعات الإحياء 1/23 غير موجود في أي من كتب النووي المعروفة كما اعترف به بعض المفتونين بالتصوف بل الموجود خلافه : حيث قال( فصلٌ في بيان أشياء مهمة أُنكرت على الإمام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضيها أهلُ مذهبه وغيرُهم من الشذوذ في تصرفاته ) كما في العقيدة الأصفهانية . ج 1 ص169، وكما نربأ بهذا الإمام من أئمة الإسلام أن يقوله، نربأ بكم عن إيهام القراء بصحته عنه بنقله وعدم التعليق على نسبته إليه ، وهو أولى بالحذف من المقولة المرسلة للعلامة القرضاوي في كتابه الإمام الغزالي بين مادحيه و ناقديه: (لا يعرف كتاب بعد القرآن والصحاح أثر في حياة المسلمين مثله)، التي حذفتموها عند إنزالكم الموضوع في هذا الموقع مشكورين .



3-لكثرة من اختصر الكتاب كما سبقت الإشارة في تعليق سابق، ولخوف الترويج لأصله ، اقترح على الإخوة توجيه الجهد لجمع أقوال السلف من مصادرها الأصلية ، وتخريجها وشرحها ، وفهرستها وتقريبها للخطباء والدعاة وعموم الأمة، وشمول ذلك لأقوالهم العقدية فهي أساس التزكية كما هو معلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ، و -إلى أن يكتمل ذلك -هناك كتب سليمة عديدة اعتنت بذلك مثل عدد من رسائل و كتب ابن تيمية و ابن القيم وابن رجب.



4- وباعتبار أنكم قطعتم شيخنا شوطا في ذلك ولعنايتكم بالتخريج كما في خطبكم في موقعكم فاقترح تخريجكم لما اخترتم من مقولات - لم تقتصر على درر السلف كما هو عنوان المشاركة - نصحا للخطباء وبراءة للذمة ، ومثالا على أهمية التخريج، فهذا تخريج المقولة المنسوبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو على وقفات وهو منقول باختصار:



الوقفةُ الأولى : من هو كُمَيلٌ؟


قال المزي في " تهذيب الكمالِ " (24/218) : كُمَيل بنُ زياد بنِ نَهيك بنِ الهيثمِ بنِ الحارثِ بنِ صُهبان بنِ سعد بن مالك بنِ النخعِ النخعي الصُهبانيُّ الكوفي . وقيل : كُمَيْل بنُ عبدِ الله ، وقيل : كُمَيْل بنُ عبدِ الرحمنِ .

ثم نقل المزي كلامَ أهلِالجرحِ والتعديلِ فيه فقال : ذكرهُ ابنُ سعدٍ في الطبقةِ الأولى من أهلِ الكوفةِ ،قال : وشهد مع علي صفين ، وكان شريفاً ، مطاعاً في قومه ، فلما قدم الحجاجُ بنُ يوسف الكوفةَ دعا به فقتله ، وكان ثقةً ، قليلَ الحديثِ . وقال يحيى بنُ معينٍ : ثقةٌ . وقال العجلي : كوفيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ . وقال محمدُ بنُ عَمَّار : كُميلُ بنُ زياد رافضي ، وهو ثقةٌ من أصحابِ علي .

قال بشارعواد محققُ الكتابِ تعليقاًعلى عبارةِ " رافضي ، وهو ثقةٌ " : كيف يكونُ الرافضي ثقةً ؟!

وقال محمدُ بنُ عمار في موضعٍ آخر : كُمَيْلُ بنُ زياد من رؤساءِ الشيعةِ ، وكان بلاءً من البلاءِ .

وقال عنه أبو حاتم ابن حبان في كتاب المجروحين (2/225) : وهوالذي يقال له : كُمَيل بن عبد الله ، من أصحاب علي عليه السلام ، روى عنه عبدالرحمن بن عابس ، والعباس بن ذريح ، وأهل الكوفة ، وكان كُمَيل من المفرطين في علي، ممن يروي عنه المعضلات ، وفيه المعجزات ، منكر الحديث جدا ، تتقى روايته ولايُحتجُ به .ا.هـ.
وقال بشار عواد في تحقيقه لتهذيب الكمال للمزي (24/222) : هومشهور في كتب الشيعة معروف ، وفي نهج البلاغة المنسوب إلى علي رضي الله عنه الكثيرمما نُقل عنه .

وقال عنه الحافظُ ابنُ حجر في " التقريب " : ثقةٌ رمي بالتشيعِ .

قال المزي عن روايتهِ في " تهذيب الكمال " (24/222) : روى له النسائي في " اليوم والليلة " حديثاً واحداً .


الوقفة الثانية : نص الأثر عن علي بنِ أبي طالبٍ :

عن كميل بن زياد قال : أخذ علي بن أبي طالب بيدي ، فأخرجني إلى ناحية الجبّانة ، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال : يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، احفظ عني ما أقول لك :

الناس ثلاثة : فعالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو بالإنفاق والمال تنقصه النفقة ، ومحبة العلم دين يدان به ، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، وصنيعة المال تزول بزواله ، مات خزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ،أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ؛ هاه هاه إن ههنا – وأشار بيده إلى صدره – علما لو أصبت له حملة ، بل أصبته لَقِنَا غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدين للدنيا ، يستظهر بحجج الله على كتابه ، وبنعمه على عباده ، أو منقادا لأهل الحق لابصيرة له في أحِنّائه ، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ، لا ذا ولا ذاك ، أومنهوما باللذات ، سلس القياد للشهوات ، أو مغرى بجمع الأموال والإدخار ، فهؤلاء ليسوا من دعاة الدين ، أقرب شبها بهم الأنعام السائبة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه ، اللهم بلى ، لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، أولئك هم الأقلون عددا ، الأعظمون عند الله قدرا ، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبواالدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمنظر الأعلى ، أولئك خلفاء الله في بلاده ، ودعاته إلى دينه ، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم ، وأستغفر الله لي ولك ، إذا شئت فقم .


الوقفة الثالثة : تخريجه:



أخرجهُ أبو نعيم في " الحلية " (1/79-80) ، والخطيبُ البغدادي في " الفقيه والمتفقه (1/182 - 183 رقم 176) ، والمزي في " تهذيب الكمال " (24/220) .


وقد حكم بضعفهِ محقق كتابِ " الفقيه والمتفقه " (1/183) فقال : " إسنادهُ ضعيفٌ ؛ علتهُ أبو حمزة الثمالي ، واسمه : ثابتُ بنُ أبي صفية . قال أحمدُ بنُ حنبل : " ضعيف الحديث ليس بشيء " . وضعفه أبو زرعة ، وابنُ معين ، وأبو حاتم ،والجوزقاني ، وقال ابنُ عدي : " ضعفه بين " . وفي الإسنادِ أيضاً : عبد الرحمن بن جندب الفزاري ، قال في " لسان الميزان (3/408) : " مجهول " .

و قد اهتم ابن القيم بشرح هذا الأثر في كتابه " مفتاح دار السعادة " (1/403) ،وابنُ رجب الحنبلي في رسالته " كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة "( ولعله لشهرته ومعانيه و بلاغته كائنا من كان قائله )


فهذه ترجمةٌ مختصرةٌ عن كُمَيْلِ بنِ زياد من خلالِ كتب أهلِ السنةِ وتخريج روايته المنسوبة ، فهو ثقةٌ عند أهلِ السنةِ إلا فيما يرويهِ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما صرح بذلك ابنُ حبان ، فتتقى روايتهُ عنه هذا لو صح الإسناد إليه فكيف وفي سنده واه و مجهول ؛ واللهُ أعلم .


و- إلى ذلك الحين- لعلكم تستخدمون صيغة التمريض أو على الأقل عدم الجزم عند نسبة أقوال لم يتم التحقق من صحتها بل بعضها علائم الوضع عليه بادية كما صنعتم مشكورين في الأثر الطويل الذي نقلتموه عن عمر رضي الله عنه في بكائه النبي صلى الله عليه وسلم (المشاركة 26) وإن كان الأولى الإعراض عنه.



5-وهناك رسالة علمية في المآخذ العقدية بعنوان :



المآخذ العقدية على كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي _ ربع المنجيات _

- المؤلف : آمال عبد الرحمن احمد باحنشل
- جامعة أم القرى : كلية الدعوة وأصول الدين
- الدرجة : ماجستير

ملخص الرسالة
http://libback.uqu.edu.sa/hipres/ABS/ind7259.pdf

النص الكامل

http://staff.uqu.edu.sa/lib/dilib/pages.php?DSP=fulltext&ID=7259


آمل أن يكون اتضح لكم شيخنا ولجميع الإخوة المقصود من المشاركة في هذا الموضوع .



و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبدالله البصري
03-18-2010, 02:27 PM
كأني بك تقصد أن التوقف خير ، أليس كذلك أبا عبدالرحمن ؟!!


ولا يخفى أن الوقوف مع كل أثر وتخريجه والحكم عليه مما قد لا يتيسر في مثل هذا المنتدى ، الذي تطلب فيه الفائدة الخفيفة اللطيفة .

وفي الكتب الموثوق فيها غنية عما حوله ما حوله من استفهامات .


سدد الله الجميع ووفقهم لما يرضيه .

ماجد آل فريان
03-19-2010, 03:14 PM
سر على بركة الله يا شيخ حسين ...
والآثار المنقولة عن التابعين مع سلامتها من المخالفات لا يلزم تخريجها، ولا يوجد خطيب يوثق كلام الحسن البصري أو ثابت البناني أو غيرهما.
والخطاب هنا موجه للخطباء والآثار المخالفة أو التي تلبس حللاً صوفية ظاهرة معروفة عند كل من شدا من العلم ولو قليلاً .
وأخونا الشيخ حسين لم يأت بشيء منها بل رأينا منه الحرص على الآثار الحكايات التي تؤكد أصولاً ثابتة معروفة مسلم بها ولا يحرص على النقول التي من شأنها الإحداث.

حسين عامر
03-20-2010, 04:36 AM
أخي أبو عبد الرحمن جزاكم الله خيرا على هذه اللفتة الطيبة منك ونصح شخصي الضعيف وجعلنا الله وإياك رجاعين إلى الحق مستمسكين بصراط الله المستقيم اللهم آمين
لكن أود أن ألفت نظرك إلى عدة نقاط :
1- النقل عن كتاب الإحياء فعله أئمة أعلام كابن الجوزي وابن قدامة هذا غير الكتب الحديثة من مختصرات أو تعليقات أو تعقيبات أو تخريجات بل والله رأيت كتبا نحتت عن الإحياء بعناوين مختلفة ونسبت إلى ناقليها ولم يشر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد عن مصدر نقله .

2- ما أفعله في هذا الموضوع هو نقل بعض الكلمات التي نقلت عن السلف في القضايا الوعظية ولم أتعرض لمسائل في الفقه أو في العقيدة أو....الخ
وقد تعلمنا من علمائنا أن آثار السلف إذا لم تخالف الكتاب والسنة ولم تؤسس حكما فقهيا مستقلا لا يلزم فيها التحقيق من ناحية الصحة والضعف وباب الرقائق والوعظ يتوسع فيه مالا يتوسع في غيره ، ولو راجعت العشرات من كتب العلماء لوجدت عشرات بل مئات الآثار بدون تخريج .
ولو راجعت الكتاب لوجدتني أعرضت عن ذكر الكثير من الأقوال المردودة المخالفة للكتاب والسنة وحكايات الصوفية العجيبة وأحوال الأبدال والأوتاد ........الخ

3- بالنسبة لأثر عمر المنسوب إليه قوله بعد وفاة الرسول أنا راجع عن نسبته إلى عمر لأني أراه أشبه بكلام القصاص الذين يدبجون الكلمات والجمل المرققة للقلوب فلا مانع من إيراده على هذا الإطلاق خاصة وأن كلماته ليس فيها شئ مردود

4- وإذا لاحظت أخي الحبيب أثرا مذكورا فيه مؤاخذة شرعية فلا مانع من إسداء النصح والإرشاد وملتقانا لينصح بعضنا بعضا

5- بالنسبة لكتب السلف الأخرى فأتمنى والله أن تبدأ أنت بكتاب من كتب ابن القيم أو ابن رجب الحنبلي فتجمع منها أقوال السلف ولولا ضيق الوقت لفعلتها لكن كن عكاشة واسبق بالخير

الأخ عبد الله البصري هذا ما تقرره إدارة الموقع ولست أنا فإن كانت الإدارة تنصح بذلك فاختيارها على العين والرأس
وأنا تائب إلى الله من كل قول يخالف قول رسول الله وسنته وراجع عنه في حياتي وبعد مماتي

شيخنا الفاضل الشيخ ماجد جزاكم الله عني خيرا وبارك الله في المنتدى والقائمين عليه وجعله الله منارة للخطباء

عبدالله البصري
03-20-2010, 08:09 AM
الأخ عبد الله البصري هذا ما تقرره إدارة الموقع ولست أنا فإن كانت الإدارة تنصح بذلك فاختيارها على العين والرأس
وأنا تائب إلى الله من كل قول يخالف قول رسول الله وسنته وراجع عنه في حياتي وبعد مماتي



من أدب الشيخ ـ بارك الله لنا وله فيما علمنا ـ أن قال : ولست أنا . والأصل : وليس أنت !!!;)


وأنا ـ كما هو ظاهر كلامي ـ لم أقرر إيقافًا أو استمرارًا ، وإنما وجهت تساؤلاً لأبي عبدالرحمن فأجاب عنه الشيخ ماجد ، وقطعت جهيزة قول كل خطيب ، ثم إني اعتذرت لك ـ وفقك الله ـ بصعوبة تخريج الآثار وثقل ذلك الأمر ، وأننا هنا نلتمس الفائدة الخفيفة اللطيفة .


ولا شك أن هدف الجميع في النهاية هو الحرص على ما فيه فائدة ، ويوافق منهج أهل السنة والجماعة ، بعيدًا عن الخرافات والقصص الملفقة .

وأنا تائب إلى الله من كل قول يخالف قول رسول الله وسنته وراجع عنه في حياتي وبعد ممات

هذا واجبنا جميعًا ، ونسأل الله أن يعيننا على أنفسنا ، وأن يعيذنا من الهوى والشيطان ، ويوفقنا لذلك واقعًا عمليًّا ؛ فإن منا من يدعيه ولا يكون له في الواقع منه نصيبٌ كافٍ .
والخطباء هم أولى الناس بإتباع القول العمل ، وتزيين المعرفة بالتطبيق ، وهم كذلك إن شاء الله .

اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

مازن النجاشي
03-20-2010, 05:10 PM
ما أجمل التحاور بين الخطباء؛ فإن فيه إزالة لما فيه إلباس.

أبو عبد الرحمن
03-21-2010, 12:28 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1- مرحى لأخي حسين هذه الروح الطيبة وليس ذاك بغريب على مثله علما ودعوة.

2- الدعوة إلى تخريج الآثار يزيد أهميته هنا ويبرره ، عدم الوثوق في المصدر ، ولو كان النقل من الزهد لأحمد أو ابن المبارك ،أو المصنف لعبد الرزاق أو ابن أبي شيبة أو نحوها لهان الأمر-أخي ماجد وأخي حسين- ، و أكرر الدعوة لتحميل وقراءة مختصر رسالة الشيخ عبد الرحمن دمشقية التي أشرت إليها في المشاركة رقم (7) وعدم الاعتماد على الذاكرة حول أقوال العلماء في ذلك الكتاب.

3- ابن الجوزي ( وهوأحد المحذرين من الكتاب وله مؤلف خاص في ذلك إضافة إلى ما ذكره عنه في التلبيس حيث يقول ( وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم - أي للصوفية - كتاب الإحياء على طريقة القوم،وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عنقانون الفقه، وجاء بأشياء من جنس كلام الباطنية) أ.هـ ما فعله في اختصاره وإن شئت الدقة فقل (إصلاحه) المسمى(منهاج القاصدين) هو حذف الموضوع وتعويضه بالصحيح من الحديث ، واستبعاد الحكايات والألفاظ والمصطلحات الصوفية ومظاهر الزهد المخالف للشرع كما صرح به في مقدمته: (مثبتة في مختصره الآتي ) حيث قال (: اعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلهاالأحاديث الباطلة الموضوعة، وإنما نقلها كما اقتراها ـ جمعها ـ لا أنه افتراها،ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع والاغترار بلفظ مصنوع، وكيف أرتضي لك أنتصلي صلوات الأيام والليالي، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به ما لا حاصلله من الكلام في الفناء، والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غيرحاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابيتلبيس إبليس)، ثم اختصر الأخير أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة ذلك المختصر) مختصر منهاج القاصدين (http://www.al-eman.com/booksD/DownloadFolder/mokhtasarMenhagKaseden.exe) رابط ( وهو بالمناسبة ليس الموفق صاحب المغني) وكلاهما اختصار وتهذيب لحماية العامة من مزالقه، وليس عزو ، وبينهما فرق ، فليس الكتاب من المصادر الأصلية ، بل هو خليط من كتب الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي وأقوال منسوبة للجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي ورسائل إخوان الصفا وغيرها، فلا يصح الاستدلال بهما في ذلك-في نظري- ، لاسيما وصنيعهما ليس موجها للدعاة والخطباء الذين يجدون مندوحة عنه بمؤلفات أهل السنة الكبار.

4- بعض الملبسين ينقل كلام بعض العلماء في ترجمة أبي حامد ليوهم أنه ثناء على الكتاب، مثل ما نقل أحدهم صدر كلام الإمام الذهبي في الألقاب العلمية له-كعادته في صدر كل ترجمة- معرضا عن حديثه الصريح فيه عن الكتاب حيث قال الذهبي : (أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آدابورسوم وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علماً نافعاً، تدري ماالعلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً. فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياضالنووي، وأذكاره تفلح وتنجح. وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوعالرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة،فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا صراطك المستقيم).
كما نقل الذهبي قول القاضي عياض فيه : والشيخ أبو حامد ذوالأنباء الشنيعة، والتصانيف الفظيعة غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذاهبهم، وصارداعيةً في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أُخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنونأمة ، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقهاوالبعد عنها، فامتُثل ذلك).

5- سهلت التقنية الحديثة البحث والجمع وحتى التخريج ، وتوجد برامج علمية متميزة في هذا المجال، كما خدمت موسوعات السنة بفهارس لا تكاد تغادر تصنيفا، واقتراحي بتوليكم التخريج لكونكم قطعتم في الاختيار شوطا، وليس مماحكة، وإلا فكما ذكر أخي عبد الله البصري :) في الكتب الموثوق فيها غنية عماحوله ما حوله من استفهامات ) . فالزمان أضيق والذهن أكل من أن ننبش في الرمم ونعرض عن المصفى من جهابذة العلماء الربانيين ، ومن علم جناية الصوفية ومن دخل تحت عباءتها من الباطنية والسحرة والمشعوذين لم يعدل بالسلامة شيء .
وفي الختام اطمع أن تعدلوا- شيخنا- أول مشاركة بحذف القول( المنسوب) إلى الإمام النووي رحمه الله ، فهذا بعض حق علمائنا علينا، وذبا عن أعراضهم .

وما سطرته بكل حال وجهة نظر دللت عليها ، وقولي صواب يحتمل الخطأ.

والخلاف لا يفسد للود قضية ، والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

ماجد آل فريان
03-21-2010, 05:26 PM
شكراً لك أبا عبدالرحمن على ما ذكرت وأسلفت وأوفيت، والشكر موصول لفضيلة الشيخ عبدالله البصري على حرصه وغيرته، وقبل ذلك وبعده نشكر الشيخ حسيناً على تفاعله واستمراريته، والأمر الآن بين يدي الشيخ حسين أبي معاذ ...

ولا شك أن العسل المصفَّى أولى وأحبُّ إلينا، وأسلمُ للخطباء والمستمعين لهم، فهل ينبري الشيخ حسين لكتاب آخر يرى فيه المناسبة دون أن يتوقف ويحرمنا من رصده الجميل واختياراته الموفقه، فالموضوع الذي يعمل عليه وهو الرقاق من الموضوعات التي تمس الحاجة لها خصوصاً في هذه الأزمان أزمان الفتن والمغريات والمشغلات عن العبادات.

وإذا رأى الشيخ أن يتوجه إلى كتاب آخر ينفع به إخوانه فدونه مقترح للتأمل وهو كتابٌ معنون بموسوعة فقه القلوب للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري، يقع في أربعة مجلدات، كل مجلد منها يقع في قرابة (1.000) صفحة، وقد كدنا ننسخه لإخواننا الخطباء في بدايات مشروعنا لولا ما في ذلك من الكلفة الشديدة علينا، ثم إنه بفضل الله قيض الله له من ينسخه في ملفات وورد ويحمله على شبكة الإنترنت.

وقد كتب المؤلف أو الناشر على طُرَّته :
(القلب له عملٌ، وجميع أبواب الفقه تدخل في عمل القلب وسلامته.
هذا العمل الموسوعي فريد في موضوعه، ومحتواه يعنى بفقهٍ لم نر مصنفاً حوى أبوابه بفهم الفؤاد، وعمل القلب.
عمل موسوعي يقرب العبد من ربه وكيف يفقه القلب عمله كي يسلم ويأتي العبد ربه بقلم سليم)

وهو جدير جداً بأن تؤخذ منه المواد العلمية الكثيرة الوافرة للخطب والمواعظ، فقد جمع صاحبه فأوعى، وقال مؤلفه في مقدمته :

(وقد جمعت فيه بفضل الله أقوال سلف الأمة في أصول الدين، ومقاصد الشريعة العظمى، ليستبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والرشد من الغي، والخير من الشر. وقد توجت مسائله بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وزينتها بالبراهين العقلية، وبينتها بالأمثلة الحسية).

(ولم نذكر في هذه الموسوعة من الأحاديث إلا ما ثبتت صحته ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرضنا عن كل حديث ضعيف، أو موضوع، أو باطل، أو منكر، أو شاذ، ولا أصل له، ليبقى الذهب خالصاً، والمشرب صافياً، والبناء متيناً، والسلعة ثمينة).


(فجاء الكتاب بفضل الله محكم الفصول، محذوف الفضول، مقوياً للإيمان، محركاً للأعمال، مرغباً في أحسن الأخلاق، يطلق العقول من عقال الجهل والشك، ويطلق الجوارح لتعمل في ميادين الأعمال الصالحة).


وقال : (وقد أمضيت أكثر من ربع قرن، وأتبعت الليل بالنهار، والوقت بعد الوقت، في جمع وتحصيل وتحرير ما بين يديك، وآثرت ذلك على جميع اللذات التي تميل إليها النفوس، وقيدت نفسي من أجله عن كثير من المناسبات، وجمعته واعتصرته من أكثر من ألف مرجع، وأطلت فيه فكري، وأتعبت نفسي، لينفع الله به من يشاء من عباده ممن يصل إليه. وقد بوبت أبوابه.. وفصلت مسائله.. وبسطت مجمله.. وحققت مشكله.. وعزوت آياته.. وخرجت أحاديثه.. وسلمته لكل مسلم. ليأخذ منه ما يحب وما يريد.. عفواً صفواً من غير كدر.. وأهديته إليه هنيئاً مريئاً.. ولعله أفضل له من كنوز المال إذا تدبره.. ويسره الله تعالى لاستعماله والانتفاع به).

وقال أيضاً :

(وقد حرصنا على التقاط جواهر الفقه الأكبر المنثورة، واستخراج القول الأهدى سبيلاً، والأقوم قيلاً، بدلاً من عرض الأقوال التي يُغشى بها العوام، وتفتن الخاص والعام، ويضل بها ضعفة العقول والأفهام. إلى جانب ما في سردها وعرضها من الإطالة، وإضاعة الزمان، وإتعاب الفكر واليد واللسان، وفتح باب المراء والجدل، وتذكية أوار الفرقة والخلاف، وتسويق الآراء الشاذة التي مزقت الأمة، وجمعت بين التخليط والتخبيط، وركوب دابة العصبية والهوى.
ولتمام الفائدة، وحصول المقصود، فقد جمعنا جواهر كل موضوع في مكان واحد، وألّفنا بينها في عقد واحد، حتى استوت مستقيمة تؤدي وظيفتها في خدمة الدين والعلم، تستلذ بها العقول، وتطمئن بها القلوب، وتعمل بها الجوارح)


وسوف أورد كلاماً للدكتور عبدالكريم بكار يؤيد الآراء المتحفظة حول ذكر بعض القصص التي تروى عن السلف وهي في الواقع لم يحض عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة، ثم تنقل للناس فيكون فيها فتنة لهم, والله المستعان.

أحتاج لنقلها من مجلة الإسلام اليوم في وقت لاحق بمشيئة الله تعالى.

حسين عامر
03-30-2010, 03:48 AM
إخواني ومشايخي الكرام :أولا عذرا على التأخر في الرد فقد حالت دون ذلك مشاغل نسأل الله العون والقبول
لا أمنع أن يختلف مع الكتاب مجتهد، ونحن هنا لينصح بعضنا بعضا ،ويتعلم بعضنا من بعض ، ولكن ما أقصده هو أن تكون هناك مادة سريعة وموجودة للخطباء يستعينون بها في خطبهم ، وكما أسلفت أن علمائنا قالوا أن آثار السلف إذا لم تخالف الكتاب والسنة ولم تؤسس حكما فقهيا مستقلا لا يلزم فيها التحقيق من ناحية الصحة والضعف وباب الرقائق والوعظ يتوسع فيه مالا يتوسع في غيره ، ولو راجعنا العشرات من كتب العلماء لوجدت عشرات بل مئات الآثار بدون تخريج .

وسامحوني كنت أتمنى أن أبدأ مع كتاب مدارج السالكين لاستخرج منه كنوز ابن القيم لكن لم يتيسر لي إلى الآن الحصول على الكتاب هنا في كندا لأننا عندنا فقر شديد في الكتب

وطالما أني مخير فقد اخترت المواصلة مع الكتاب فإن رأيتم ما يستحق النصح فصدري رحب والحمد لله
ونسأل الله القبول

حسين عامر
03-30-2010, 03:51 AM
يقال‏:‏ إن سفيان الثوري رحمه الله شبع ليلة فقال‏:‏ إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام تلك الليلة حتى أصبح‏.‏

وكان طاوس رحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة ثم يثب ويصلي إلى الصباح ثم يقول‏:‏ طير ذكر جهنم نوم العابدين‏.‏

وقال الحسن رحمه الله‏:‏ ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال فقيل له‏:‏ ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً قال‏:‏ لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره‏.‏

وكان عبد العزيز بن رواد إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمد يده عليه ويقول‏:‏ إنك للين ووالله إن في الجنة لألين منك ولا يزال يصلي الليل كله‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي‏.‏

وقال الحسن‏:‏ إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك‏.‏

وكان صلة بن أشيم رحمه الله يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال‏:‏ إلهي ليس مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار‏.‏

وقال رجل لبعض الحكماء‏:‏ إني لأضعف عن قيام الليل فقال له ‏"‏ يا أخي لا تعص الله تعالى تقم بالليل‏.‏

وكان للحسن بن صالح جارية فباعها من قوم فلما كان في جوف الليل قامت الجارية فقالت يا أهل الدار الصلاة الصلاة‏!‏ فقالوا‏:‏ أصبحنا أطلع الفجر فقالت‏:‏ وما تصلون إلا المكتوبة قالوا‏:‏ نعم فرجعت إلى الحسن فقالت‏:‏ يا مولاي بعتني من قوم لا يصلون إلا المكتوبة ردني‏.‏
ويقال‏:‏ إن مالك بن دينار رضي الله عنه بات يردد هذه الآية ليلة حتى أصبح ‏"‏ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ‏"‏ الآية‏:‏ وقال المغيرة بن حبيب رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول حرم شيبة مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك وأي الدارين دار مالك فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ سهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة فقالت لي‏:‏ أتحسن تقرأ فقلت‏:‏ نعم فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها‏:
‏ أألهتك اللذائذ والأماني عن البيض الأوانس في الجنان
تنبه من منامك إن خيراً من النوم التهجد بالقران
ويروى عن أزهر بن مغيث وكان من القوامين أنه قال‏:‏ رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا فقلت لها‏:‏ من أنت قالت‏:‏ حوراء فقلت‏:‏ زوجيني نفسك فقالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني فقلت‏:‏ وما مهرك قالت‏:‏ طول التهجد‏.‏

كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول‏:‏ معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتتحسروا عند الموت كثيراً‏.‏
قال رجل للحسن‏:‏ يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم فقال‏:‏ ذنوبك قيدتك‏.‏

وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول‏:‏ أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون‏.‏

وقال الثوري‏:‏ حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل وما ذاك الذنب قال‏:‏ رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي هذا مراء

ولذلك قال بعضهم‏:‏ كم من أكلة منعت قيام ليلة وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة‏.‏

وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات‏.‏

وقال آخر‏:‏ أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر‏.‏

وقيل لبعضهم‏:‏ كيف الليل عليك فقال‏:‏ ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط وقال علي بن بكار‏:‏ منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر‏.‏

وقال الفضيل بن عياض‏:‏ إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم
وقال ابن المنكدر‏:‏ ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام لليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة‏.‏

أبو عبد الرحمن
04-05-2010, 12:44 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هذه روابط لتحميل كتاب مدارج السالكين لإبن قيم الجوزية رحمه الله


مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين | موقع الإمام ابن ... (http://www.ibnalqayem.com/books/11-bookibnalqayem/86-804.html)



http://books.bdr130.net/1261.html (http://books.bdr130.net/1261.html)

تحميل كُتُب لابن القيم ( مدارج السالكين واعلام الموقعين عن رب ... (http://forum.mustafahosny.com/showthread.php?t=74157)


شبكة الشفاء الإسلامية - Ashefaa.Com | مدارج السالكين بين منازل ... (http://www.ashefaa.com/play-7867.html)


شرح مدارج السالكين لمحمد حسين يعقوب - منتديات صوت القرآن الحكيم (http://quran.maktoob.com/vb/quran2002/)


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو عبد الرحمن
04-05-2010, 01:08 AM
عنوان الكتاب: منجد الخطيب - روائع القصص والأمثال مأخوذة من سير أعلامالنبلاء ومرتبة على رياض الصالحين
المؤلف: أحمد بن صقر السويدي
حالة الفهرسة: غير مفهرس
عدد المجلدات: 2
التحميل المباشر: مجلد 1 (http://www.archive.org/download/waq60807/01_60807.pdf) مجلد 2 (http://www.archive.org/download/waq60807/02_60808.pdf) الواجهة (http://www.archive.org/download/waq60807/00_60807.pdf)

أبو عبد الرحمن
04-05-2010, 01:28 AM
كتاب الإحياء ( رؤية نقدية ووقفة موضوعية ) ..!!



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه.. وبعد:

كتاب الغزالي (الإحياء) في الميزان

العلامة البحر أبو حامد الغزالي توفي سنة 505هجرية رحمه الله كان واسع الصيت، عظيم السمعة، لم يأت أحد من بعده إلا عرفه، أو سمع عنه، أو قرأ له.
صنف فأكثر، وكتب فحبر، وكان له من الوعظ والتدريس الحظ الأوفر.. بز الأقران وفاق، وناظر الكبار فكان العملاق، وصار المشار إليه بالإمامة باتفاق..
ولن أقدم ههنا بترجمة هذا العلم - كما جرت العادة بذلك - فشهرته تغني عن ذلك، وقد حفلت كتب التراجم والطبقات والتأريخ والحوادث ببسط سيرته، فمن طلبها فعليه بها.
إلا أنني أحب أن أشير إلى أن ثم غلواً وقع فيه بعض من ترجم له، وتجاوزاً للحد ينبغي أن تصان تراجم العلماء عنه! فمن ذلك ما قاله الإسنائي الشافعي:
"وهو قطب الوجود، والبركة الشاملة لكل موجود! وروح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن! يتقرب به إلى الله كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق"(1). ونقله عنه جماعة من مترجمي الشافعية! وكان الظن بهم التثريب عليه، وأقله تجاهله واطّراحه، ولكن يغلب على ظني أن لهم أغراضاً، لعل أبرزها الدفع بالصدر لكل من يحاول نقد أبي حامد الغزالي رحمه الله، والله المستعان.
لكنني في هذا المقام أحاول أن أقف مع كتابه الشهير: (إحياء علوم الدين) وأسلط الضوء على ما فيه، مستعرضاً كلام الأئمة حوله، ومستبيناً حاله عندهم، راجياً من الله عز وجل ثواب النصح للأمة.
لماذا الإحياء؟!

قد يتساءل المرء عن سبب اختيار كتاب: (إحياء علوم الدين) للحديث عنه من بين سائر كتبه..
فالجواب:
أن كتاب الإحياء قد حاز من الشهرة والانتشار ما لا يقاربه أي كتاب من كتبه الأخرى، ولأجل ذلك ترى نسخه المخطوطة مبثوثة في مكتبات العالم حتى ليكاد الباحث يجزم أن فهارس المخطوطات للخزائن العامة والخاصة لا تخلو من نسخة منه، وهذا لا نظير له في كتبه الأخرى..
ثم إن كتاب الإحياء قد دارت حوله قضايا ووقائع على مستوى العالم الإسلامي كما سيأتي ذكر شيء من ذلك إن شاء الله..
ولقد استوقفتني تلك الهالة الإعلامية الضخمة التي تروج للإحياء، خاصة من قبل المتصوفة إذ:
منهم من حفظه عن ظهر قلب!
ومنهم من قرأه خمساً وعشرين مرة.
ومنهم من نسخه أربعين مرة.
ومن عباراتهم السيارة: "من لم يقرأ الإحياء فهو بلا حياء"!!
وقالوا: "فضائل الإحياء لا تحصى".
وغلا بعضهم - عياذاً بالله - فقال: "كاد الإحياء أن يكون قرآنا"!!!
وقالوا: "إنه أجل كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام، جمع فيه من بين ظواهر الأحكام، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام"..
وأسمع إلى الشيخ أبي محمد الكازروني إذ يقول: "لو محيت كل العلوم لاستخرجت من الإحياء"!
وطلب جماعة من ابن برهان الأصولي - أحمد بن علي بن محمد (518ه) - أن يشرح لهم الإحياء، فاعتذر بضيق الوقت، فذكروا له وقتاً في منتصف الليل فوافق!!(2).
وألف عبدالقادر العيدروس (1038ه) كتاباً سماه: (تعريف الأحياء بفضائل الإحياء) غلا في مدحه إلى حد الشطط..
فهذا المديح والإطناب - وأمثاله كثير تركته خشية الإطالة - يسترعي انتباه القارئ، خاصة أن كتب السنة لم تحظ بمثله من قبل هؤلاء.
شخصية أبي حامد الغزالي العلمية والسلوكية:
غالب من ألّف إنما استجمع همته، وحمل نفسه على التأليف لهم كان يراوده، ويداعب أفكاره، فيبعث ذلك كله في مزبور يحوي ما أراد نفثه من ذلك اللهم.
وهذا الهاجس الذي يستحوذ على فكر المرء إنما هو نتاج خلفيات تراكمت عبر زمن الطلب والتحصيل، فمعرفة مكتسبات الإنسان وتحصيله العلمي والسلوكي له بصمته الواضحة على كتبه ومؤلفاته.
ومن المعلوم أن الغزالي - وغيره من أرباب المتكلمين - قد مر في حياته العلمية بتقلبات، وفي رياضته السلوكية بأطوار، الأمر الذي بدا أثره واضحاً في تلون كتاباته، وتفاوت مؤلفاته(3).
وقد ذكر عن نفسه - في كتابه (المنقذ من الضلال) - أنه كان في حيرة من أمره وعقيدته، وأنه تنقل من الشك في المحسوسات إلى الشك في العقليات، ثم استقرت قدمه على أن إدراك الحق لا يعدو أربع طوائف: المتكلمين، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية!!
وذكر عن نفسه أنه غاص في بحار الفئات الأربع حتى سبر علومها، وأطلع على مكنونها، وتضلع منها إلى الغاية، ثم أخذ يبهرج الزائف ويزيل المتهالك، حتى خلص له طريق (التصوف)..!
وحتى هذه الطريق التي سلكها، ونافح عنها، وألف في رسومها لم يجد بغيته فيها آخر حياته، فمال إلى طريقة أهل الحديث كما هو معروف، ومات وصحيح البخاري على صدره - يرحمه الله - .
ولأجل هذا التأرجح بين طرائق المتشرعين وجد العلماء في كتب الغزالي ما لايجوز اعتقاده، ولا يحل السكوت عنه، فتكلموا فيه وفي كتبه وحذروا منها، وانتشر هذا بين الناس؛ بَلْهَ العلماء، ومنهم بعض تلامذته ومعاصريه، "واشتد نكير علماء الإسلام لهذا الكلام، وتكلموا في أبي حامد وأمثاله بكلام معروف، كما تكلم فيه أصحاب أبي المعالي ك: أبي الحسن المرغيناني، وأبو الحسن بن سكر، وأبو عمرو بن الصلاح، وأبو زكريا..
وكما تكلم فيه أبو بكر الطرطوشي، وأبو عبدالله المازري، وابن حمدين القرطبي - وصنف في ذلك - وأبو بكر بن العربي تلميذه حتى قال: "شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر".
وتكلم فيه أبو الوفاء بن عقيل، وأبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد المقدسي وغيرهم.
وكما تكلم فيه الكردري وغيره من أصحاب أبي حنيفة.
ومن أعظم ما تكلم أئمة المحققين لأجله ما وافق فيه الصابئة المتفلسفين، مع أنه بعد ذلك قد رد على الفلاسفة، وبين تهافتهم وكفرهم، وبين أن طريقتهم لا توصل إلى الحق، بل ورد - أيضاً - على المتكلمين، ورجح طريق الرياضة والتصوف، ثم لما لم يحصل له مطلوبه من هذه الطرق بقي من أهل الوقف، ومال إلى طريقة أهل الحديث، فمات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم(4).
وكانت لأبي حامد الغزالي - رحمه الله - اليد الطولى في إدراج المنطق بعلوم المسلمين، وبقيت فيه عُلُقَه من علوم الأوائل لم يستطع أن يبرأ منها، بل ظلت مؤثرة عليه، وموجهة له، حتى أنها كانت تسوس تصوفه في آخر أطواره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728ه) رحمه الله:
"وما زال نظَّار المسلمين يصنفون في الرد عليهم - أي الفلاسفة - في المنطق، ويبينون خطاهم، ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم، بل الأشعرية، والمعتزلة، والكرامية، والشيعة، وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها، ويبينون فسادها، وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين: أبو حامدالغزالي، وتكلم فيه العلماء بما يطول ذكره"(5).
ومع أن الغزالي قال بوجوب تكفير المتفلسفة الإسلاميين ك: ابن سينا، والفارابي، وأمثالهما(6)، إلا أنه هو نفسه رضع من كلام ابن سينا حتى قيل: "أمرضه الشفاء".
وأمر تأثره بالفلاسفة، وديمومة ذلك معه أمرٌ لا ينكره إلا مكابر، وقد أثبته له جماعات من العلماء، منهم: الطرطوشي، والمازري، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن الصلاح، وشيخ الإسلام، والذهبي، وابن كثير... وغيرهم خلائق.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكلامه برزخ بين المسلمين وبين الفلاسفة، ففيه فلسفةٌ مشوبةٌ بإسلامٍ، وإسلامٌ مشوبٌ بفلسفةٍ، وكان يعظم الزهد جداً، ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، ولقد ذاكرني مرةً شيخٌ جليلٌ له معرفة وسلوك وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد يشوقك، فتسير خلفه منزلاً بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء..
والذين سلكوا خلف أبي حامد أو ضاهوه في السلوك كأبن سبعين وابن عربي، صرحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أن الوجود واحد، وعلموا أن أبا حامد لا يوافقهم على هذا، فاستضعفوه ونسبوه إلى أنه مقيدٌ بالشرع والعقل.
وأبو حامد بين علماء المسلمين وبين علماء الفلاسفة.. علماء المسلمين يذمونه على ما شارك فيه الفلاسفة مما يخالف دين الإسلام، والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ منه بالكلية إلى قول الفلاسفة.
ولهذا كان الحفيد ابن رشد ينشد فيه:
يوماً يمانٍ إذا ما جئت ذا يمن ** وإن لقيت معدياًّ فعدناني!
وأبو نصر القشيري وغيره ذموه على الفسلفة، وأنشدوا فيه أبياتاً معروفة يقولون فيها:
برئنا إلى الله من معشر ** بهم مرض من كتاب(الشفا)
وكم قلت: يا قوم أنتم على ** شفا حفرة مالها من شفا
فلما استهانوا بتعريفنا ** رجعنا إلى الله حتى كفا
فماتوا على دين رسطالس ** وعشنا على سنة المصطفى(7)

وشغفه بكتاب (الشفا) دخل عليه من سلوكه طريق الفلاسفة لما أراد اختباره وتمحيصه كما ذكر هو عن نفسه، وقل مثل ذلك في (رسائل إخوان الصفا) وهو من كتب الباطنية، وخوض مفاوز السوء مع قلة بصر بالآثار وضعف إدراك بالمعايب مخاطرة لا تؤمن عاقبتها، والله الهادي.
قال الذهبي (748ه) رحمه الله: "قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب التهافت، وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظناً منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر إلى كتاب (رسائل إخوان الصفا) وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف"(8).
وأبو حامد الغزالي - رحمه الله - وإن كان إماماً في الفقه، والأصول، والمنطق، والجدل، إلا أنه ليس بذاك الحذق في ثلاثة علوم هي:

أولاً: علم الاعتقاد:
فإنه لم يكن ذا باع طويل فيه، ولا صاحب تحقيق حتى قال عنه أبو الحسن المنتصر المالكي.. "الغزالي إمام في الفقه، متوسط في أصول الفقه، ضعيف في الاعتقادات"(9).
وأما سبب ضعفه في هذا العلم فنترك الحديث عنه للإمام المازري أبي عبدالله محمد بن علي التميمي الصقلي (536ه) حيث قال: "وأما أصول الدين فقد صنف فيه أيضاً، وليس بالمستبحر فيه، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول فأكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهلاً للهجوم على الحقائق..
وعرَّفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على (رسائل إخوان الصفا) ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا، قد أداه قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى الفلسفة، ووجدت الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة"(10).

ثانياً: علم الحديث:
فإنه كان مزجي البضاعة فيه، بل لا بصر له به ألبته، لأنه لم يطلبه، ولم يكن في شيوخه من عرف به، شهد هو بنفسه على ذلك، وحتى الغلاة من محبيه.
وقد عقد ابن السبكي فصلاً جمع فيه كل الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً وذكرها الغزالي في الإحياء، فبلغت 943 حديثاً!(11) هذه لم يجد لها إسناداً، أما الضعيف والواهي فلم يتعرض له، وهذه - أيضاً - في كتاب الإحياء فقط دون سائر كتبه!!

ثالثاً: علم النحو:
فقد كان الخلل يقع في كلامه من جهة النحو، وذكره هو عن نفسه، وأنه ما مارسه، ثم أذن لكل من وجد مثل هذا الخلل في كتبه أن يصلحه كما نقله عنه الشيخ أبو الحسن عبدالغافر بن اسماعيل الفارسي في (السياق لتاريخ نيسابور)(12).
لكن هذا لا يضيره إذا لم يكن طريق الاستنباط مبنياً على النحو، فإن جماعة من الأكابر اشتهر عنهم اللحن في كلامهم مع الإقرار بإمامتهم في علومهم.
والحق أن الغزالي لا مطعن عليه في كتابه الإحياء من جهة اللحن، لأن عبارته فيه ظاهر عليها قوة الحبك، وجودة السبك، كأفصح ما يقول الناس، وأبين ما حوى قرطاس.
وهذه القوة في حسن الصياغة، وجودة البيان، تجعلنا نمتنع من التكلف لحمل ألفاظه على غير ظاهرها المتبادر إلى فهومنا، لأن أبا حامد لم يكن عيياً حتى تعجزه الكلمة أو تند عنه اللفظة المناسبة، فتملق ذلك خروج عن مقصود الغزالي نفسه..
والمتعصبون لأبي حامد لم ينكروا أن في كتبه عبارات شنيعة، وأمور منكرة لا يجوز لعاقل التفوه بها فضلاً عن اعتقاد صحتها أو العمل بها، لكنهم وقفوا من ذلك موقفين:
الموقف الأول: موقف طائفة أنكرت نسبة هذه الكتب إليه، ودفعتها عن جنابه بالمرة، وبرأت ساحته مما فيها، وزعمت أنها منحولة عليه.
وخذ مثلاً على ذلك ما قيل في كتابه (بداية الهداية) أو (المضنون به على غير أهله) ونحو ذلك.
والموقف الثاني: موقف طائفة أخرى تمحلت صروف التأويل، وضروب التخريج لحمل كلامه على محمل حسن يليق بما اعتقدوه فيه من تعظيمه وتبجيله.
خذ مثلاً على ذلك ما فعله زكريا الانصاري (926ه) دفاعاً عن أبي حامد في عبارته المشهورة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"! وهي من العبارات التي كفره العلماء لأجلها، حتى حمله تعصبه وغلوه في أبي حامد إلى تكفير من لم يعتقد معتقده!!(13).
وتابعه على هذا المنوال ابن حجر الهيتمي المكي (974ه)(14).
إذن أبو حامد الغزالي جمع علوماً متنافرة من جهة، وقصَّر في علوم أهم منها من جهة أخرى، وهذه العلوم المكتسبة كونت عنده خليطاً غير متجانس من المعرفة، مما أدى به إلى الحيرة.
ثم - أيضاً - ظهر هذا الطابع العلمي المكتسب على مؤلفاته ظهوراً بيناً، وما حصله في سني عمره لم يقصيه كله، ولم يقبله كله، بل أخذ من هنا وهناك، ولفق بين علومه وتجاربه، وحاول التقريب بينها بما لا طائل تحته، وفي حال بعد عن الهدي النبوي المأثور.
زد على ذلك أن الغزالي كان يعرض العلوم المعرفية على (الكشف) الصوفي، فهو المحك المجرب لتمييز الصواب من الخطأ، ولهذا هو يحتفي به جداً في الإحياء، وغالباً ما يهاجم معترضيه بقصورهم عن بلوغ مرتبة (الكشف) فلهذا لم يفهموا كلامه.
فما سبق بيانه إنما كان توطئة للوقوف على الجانب العلمي المعرفي عند أبي حامد الغزالي، وأهم منه هو الوقوف على الجانب السلوكي الصوفي الذي اختاره لنفسه، ورشحه طريقاً للنجاة، وحاكماً - بعد كل ذلك - على كل شيء.

المرحلة السلوكية (طور الرياضة والتصوف):
لم يكن أبو حامد الغزالي متطفلاً على (التصوف)، بل له به عهد قديم، فإن أول من غرس بذرته في نفسه ذاك المربي الصوفي الفقير الذي تولى رعايته يتيماً بعد موت والده، فقد كان صديق والده، فعهد به وبأخيه أحمد إليه ليتولى تربيتهما.
ثم تنقلت به الأيام في (الخانقاهات) و (الزوايا) حتى أصبح قادراً على ترويض نفسه، واكتساب ما يريده من تصوفه بالرياضة والممارسة.
سلك أبو حامد في سبيل تحصيل كمالات نفسه وإشراقها سبيلاً قفراً أمعن في وصفه ابن السبكي - وهو له في الأشاعرة والمتصوفة هيام طائر جعله يستبد على مخالفيهم - فقال: "واستمر يجول في البلدان، ويزور المشاهد، ويطوف على الترب والمساجد، وياوي القفار، ويروض نفسه فيكلفها مشاق العبادات"(15).
وكذا قال رفيق دربه، وزميله في التتلمذ على إمام الحرمين الجويني، الشيخ عبدالغافر الفارسي لما ترجم له بترجمة حافلة في (السياق لتاريخ نيسابور) فكان مما قاله: "ثم دخل دمشق، وأقام بها عشر سنين، يطوف المشاهد المعظمة"(16).
ولن نبعد كثيراً، فأبو حامد الغزالي - يرحمه الله - حكى ذلك بالتفصيل فقال عن نفسه: "ثم إني لما فرغت من هذه العلوم - يقصد الفلسفة والباطن والكلام - أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وغيرهم من المشايخ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، فظهر لي أن أخص خواصهم مالا يمكن الوصول إليه بالتعليم، بل بالذوق، والحال، وتبدل الصفات"(17).
وقال أيضاً: "ففارقت بغداد - في ذي القعدة سنة 488ه - ثم دخلت الشام، وأقمت بها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة، والخلوة، والرياضة، والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي.
ثم رحلت إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة، وأغلق بابها على نفسي".
ثم ذكر رحلته إلى الحج وعودته، وأنه استمر على هذه الحال عشر سنين، حتى قال: "وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها!!"(18).
وذكر ابن الجوزي (597ه) عنه أنه قال: "أخذت الطريقة من أبي علي الفارمذي"(19) بينما استظهر المازري الصقلي أنه عول في تصوفه على أبي حيان التوحيدي(20).
و(التصوف) سلوك أممي معروف عند الروحانيين من أتباع الأديان، وله طرائق ورسوم متشعبة، وقد بلغ نهايته على يد فلاسفة اليونان الإشرافيين، وفلاسفة الهنود، ومن طريقهم دخل إلى العالم الإسلامي في أواسط القرن الثالث الهجري(21)، وصارت علوم الصوفية مشوبة بالفلسفات المتعددة فضلاً عن الطرائق المتكاثرة بكثرة الأنفاس.
والذين تأثر بهم أبو حامد في التصوف قد سبقوه بالتأثر بفلاسفة المتصوفة من الأمم، بدءاً من الحارث المحاسبي الذي ألف في التصوف التواليف العجيبة ك (الرعاية)، وانتهاء بتجربته الخاصة التي سبق ذكر شيء منها.
وهكذا كان أبو حامد "يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبادات الإسلامية"(22)، "فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين وألبسه ثيابهم"(23).
إذن في هذا الجو الصوفي ألف الغزالي كتابه (إحياء علوم الدين) بعد رجوعه إلى دمشق من رحلته الحجازية الشهيرة لأجل السياحة والعبادة سنة 490ه والتي حج بها، وظل عشر سنين في دمشق ملازماً لمنارة جامعه، وبهذا الموضع قامت (مدرسة الغزالية) نسبة إليه، وكانت تعرف من قبل بزاوية الشيخ نصر المقدسي (24).
وقد ألف الغزالي كتاب الإحياء، ليكون منهاجاً لأرباب السلوك، وأصحاب الوظائف، وأهل الخدمة.
وهذا يستدعي أن يكون الغزالي نفسه من أهل هذا الطريق، بل من خبرائه ونقاده، كي يتسنى له ضبط معارفه، وتحبير طرائقه وطرائفه، بما يركن إليه ولا مزيد عليه، وقد كان كذلك.
التعريف بالإحياء ونقده:

يعتبر كتاب (إحياء علوم الدين) خلاصة كتب التصوف، وعصارة أصحاب الطرق، فإنه أوسعها على الإطلاق.
وكان الغزالي شديد الاعتداد به، ويحيل إليه كثيراً في كتبه الأخرى.
ومادة الكتاب مستقاة من ثلاثة كتب، هي:
1- (الرعاية) للحارث المحاسبي (243هـ).
2- (قوت القلوب) لأبي طالب المكي (386هـ).
3- (الرسالة) لأبي القاسم القشيري (465هـ).
وقسم كتابه إلى أربعة أرباع، وهي:
1- ربع العبادات.
2- ربع العادات.
3- ربع المهلكات.
4- ربع المنجيات.
وتحت كل ربع منها عشرة كتب علمية ووعظية.
وأما منهجية تأليفه فيحدثنا عنها أبو الفرج الجوزي (597ه) رحمه الله فيقول: "وضعه على مذهب الصوفية، وترك فيه قانون الفقه... وإنما كان سبب إعراضه فيما وضعه عن مقتضى الفقه أنه محب للصوفية، فرأى حالتهم الغاية، ثم نظر في كتاب أبي طالب المكي، وكلام المتصوفة القدماء، فاجتذبه ذلك بمرَّة عما يوجبه الفقه"(25).
وقال: أيضا: "ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي، وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال فيهم، بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على فقه أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين"(26).
ولا شك أن الغزالي - رحمه الله - قد أساء في مواطن كثيرة من كتابه، وأظهر عبارات ظاهرها الكفر المحض، ونقل من إشارات أهل الوحدة والاتحاد ما حمل باللائمة عليه، وجاء إحياؤه خليطاً من المواد الفاسدة: مواد فلسفية، ومواد كلامية، ومواد من ترهات الصوفية، ومواد من الأحاديث الموضوعة... في غيرها.
وهذا التخليط دخل على أبي حامد من ثلاثة أبواب كبيرة، هي27)
"الباب الأول: إقحامه في موارد الشرع ما ليس منه كرؤيا المنام، وعلم الباطن، والفراسة الكاذبة، والتحديث، وخواطر القلوب، والتلقي ربما عن الملائكة أو أرواح الأنبياء والأولياء، أو لقاء الخضر، أو غير ذلك.
الباب الثاني: إرادته الجمع بين شتات ما نقل عن أهل المنطق والفلسفة والكلام، وبيان ما أقرته قواعد الإسلام، بل وقصر كثير من نصوصه نحو مرادهم وترتيباتهم.
الباب الثالث: وثوقه بكل ما حكي عن مشائخ الطريق ونقل عنهم، بعد أن جعلهم في مرتبة واحدة، سواء منهم الصديِّق والزنديق!!.
حتى علق في غوائل وحبائل، ما كان له أن يخرج منها بعد طول التكلف، وإظهار التعسف، هذا مع قلة معرفته بصحيح نصوص الشرع، وضعيفها، أو موضوعها"(28).
ولأجل ذلك حمل العلماء على الإحياء، وأجهزوا عليه في تضاعيف كلامهم، وأفردوا ثلبه في تصانيف مفردة، ومن ذلك:
(الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء) للمازري محمد بن علي (536ه). أثنى عليه الذهبي وقال: يدل على تبحره وتحقيقه(29).
(إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء) لأبي الفرج بن الجوزي (597ه) ذكر الذهبي أنه في مجلدات(30).
(الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي) لعز الدين بن المنير المالكي (683ه).
(عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي) ليحيى بن حمزة العلوي (749ه).
(إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء) لأبي الحسن بن سكر (616ه). قال عنه ابن كثير: "وقد زيف ابن سكر مواضع من (إحياء علوم الدين) وبين زيفها في مصنف مفيد"(31).
"القول المبين في التحذير من كتاب (إحياء علوم الدين) لعبد اللطيف بن عبدالرحمن الحنبلي (1293ه).
ومن تتبع كتب التراجم، ودوواين المؤلفات سيجد الكثير.
وأما أهل المغرب والأندلس فقد كان لهم القدح المعلى في حربهم على الإحياء، حتى لقبه بعضهم ب: (إماتة علوم الدين)، واشتهر عن كبرائهم قولهم: "هذا إحياء علوم دينه، أما ديينا فإحياء علومه بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم".
وأوردوا على كلامه إشكالات، وغلطوه فيه، وألزموه الكفر في بعضه، وتمالؤوا على إنكاره، ووجوب إحراقه، واجتمع الفقهاء في بلاد المغرب والأندلس لإستصدار أمر من أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بجمع نسخه وإحراقها فكان ذلك في أوائل سنة (503ه)، ثم منع من دخول البلاد، ورتب العقوبات الشديدة على ذلك(32).
والسبب الذي حملهم على ذلك أنهم كانوا على السنة، وعلى طريقة الإمام مالك في الأصول والفروع، فلما وصلهم الإحياء قرأوا فيه آراء المتكلمين، وفلسفتهم عن الإلهيات والنبوات، من مذاهب الاشاعرة والماتريدية والمعتزلة، فرأوها تأويلاً مخرجاً لنصوص القرآن ونصوص الحديث عن معانيها، معطلاً لما جاء فيها(33).
قال الأستاذ العلامة محمد المنتصر بالله الكتاني (1419ه) رحمه الله: "وعلي بن يوسف بن تاشفين إنما أحرق كتاب الغزالي، ومنع دخوله للمغرب، استجابة لمستشاري دولته، وكلهم من الفقهاء، وما كان يسعه غير ذلك في مجتمع كان سلفي العقيدة على مذهب مالك، يرى في مذاهب علماء الكلام بكل فرقهم: أشاعرة، وماتريدية، ومعتزلة... مذاهب أحدثت في دين الله ما لم يحدثه السلف الصالح، صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين.
وعلي بن يوسف بن تاشفين كان من صالحي ملوك المغرب، وصالحي ملوك المسلمين كان حليماً وقوراً، ومجاهداً فاتحاً، وإماماً عادلاً، جاء إلى الأندلس عام 503ه داعياً إلى الله، ومجاهداً في سبيله، ففتح المدن والحصون، وظفر بالفرنج في معارك كثيرة، وتولى إمارة المسلمين سنة 500ه، وتوفي سنة 537ه رحمه الله"(34).
الهوامش:
1- نقله عنه معزواً إليه هداية الله في (طبقات الشافعية) 194-195، ونقله الإسنوي دون عزو في طبقاته (244/2)، أما ابن السبكي فصاغه صياغة قريبة منه بعد أن أخذ فحواه (طبقات الشافعية الكبرى) (199/6-200، 201)، وتبعه ابن جعفر الهيثمي المكي في (الإعلام بقواطع الإسلام) وانظر: (الجامع في ألفاظ الكفر) 168 .
2- انظر: (طبقات الشافعية الكبرى) لابن السبكي (30/6-31).
3- قال ابن رشد الحفيد عن أبي حامد: "لم يلزم مذهباً من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعري، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف". (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)(30)، وقال الذهبي: "للغزالي غلط كثير، وتناقض في تواليفه، ودخول في الفلسفة، وشكوك، ومن تأمل كتبه العقلية رأى العجائب". (تاريخ الإسلام) (128).
4- (الصفدية) لشيخ الإسلام (216-219)، وانظر: (نقص المنطق)(56)، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن نكير الناس قد عظم على الغزالي لما في كلامه من جنس كلام الملاحدة، وقد عبر عنه بالعبارات الإسلامية، والإشارات الصوفية! (الصفدية)(234).
5- مجموع الفتاوى (230/9-231).
6- (المنقذ من الضلال)(47)، طبعة الدار التونسية.
7- (النبوات) (382/1-392) بتصرف.
8- السيرة (328/19). قوله (خيار المخلصين) تزكية تفتقر إلى تقييدها بالحسبان، وأما كونه من (كبار الأذكياء) فالذكاء وحده ليس مسوغاً لتقحم طرق أهل الضلال والزندقة، إذ ليس ذلك محلاً للتجربة، ثم فرط الذكاء قد يردي ولا يجدي، والمعصوم من عصمه الله.
9- انظر: (المعيار المعرب) (184/12).
10- انظر: (تاريخ الإسلام للذهبي) (120-121)، والسير (341/19)، (وطبقات الشافعية الكبرى) (241/6).
11- (طبقات الشافعية الكبرى) (287/6-389).
12- السير (19-326)، و (تاريخ الإسلام) للذهبي (188).13- انظر: (الإعلام والاهتمام بجمع فتاوى شيخ الإسلام، زكريا الأنصاري) (369).
14- أنظر: (الفتاوى الحديثية)(41).
15- (طبقات الشافعية الكبرى)(199/6).
16- نقله عنه ابن السبكي في طبقاته الكبرى (206/6)، وابن الجوزي في (المنتظم) (125/17).
17- (المنقذ من الضلال) (80-82).
18- المرجع نفسه (86-87) بتصرف. و(المشاهد) مصطلح رافضي الأصل، كثر استعماله عند الصوفية، ويقصد به الأضرحة التي تزار وتعظم عند طوائف الغلاة منهم، ويفعل عندها ما لايجوز شرعا.
19- انظر: (المنتظم) (125/17-126). الفارمذي - بسكون الراء وفتح الميم كما قال ياقوت، وقال السمعاني بفتح الجميع، نسبة إلى قرية (فارمذ) من قرى طوس، وأبو علي هو: الفضل بن محمد بن علي، شيخ الصوفية في زمانه، ومؤدب المريدين بخراسان، وواعظها الأول، توفي سنة 477ه رحمه الله.
20- انظر السير (341/19)، وتاريخ الإسلام (120-121)، و(مجموع الفتاوى) (54/6)، وأبو حيان التوحيدي هو: علي بن محمد بن العباس البغدادي، فيلسوف متصوف، ضال ملحد كذاب كما قال الذهبي، وقال الحافظ بن حجر: بقي إلى حدود الأربعمائة ببلاد فارس، وكان صاحب زندقة وانحلال. أه. السير (119/17) و(لسان الميزان) (633/7).
21- انظر (الفكر السامي) الحجوي (53/2).
22- (نقض المنطق) لشيخ الإسلام (55،135).
23- (مجموع الفتاوى) (552/10).
24- انظر: (طبقات الشافعية) للإسنوي (244/2)، و(العقد المذهب) لابن الملقن (117)، و(طبقات الشافعية الكبرى) لابن السبكي (197/6).
25- (المنتظم) (125/17-126) بتصرف.
26- (تلبيس إبليس) (263-264).
27- انظر: (مجموع الفتاوى) (55/6).
28- (فجر الساهد وعون الساجد) عبدالسلام علوش (8-9).
29- (تاريخ الإسلام)(120).
30- السير (342/19).
31- البداية والنهاية (214/16).
32- انظر: (المعجب في تلخيص أخبار المغرب) للمراكشي (237).
33- انظر: بحث (الغزالي والمغرب) للأستاذ محمد المنتصر بالله الكتاني، ضمن مجموع بعنوان (فاس عاصمة الأدارسة، ورسائل أخرى) (166).
34- المرجع السابق (170-171) بتصرف يسير، واستمر الأمر على ذلك في عهد المرابطين، ففي الرسالة التي وجهها أمير المسلمين تاشفين بن علي ابن يوسف بن تاشفين إلى فقهاء (بلنسية) وأعيانها، في جمادى الأولى سنة 538 هـ ، يحثهم على الأخذ بمذهب مالك دون غيره، وعلى مطاردة كتب البدعة، وخاصة كتب أبي حامد الغزالي، وأنه يجب أن يتبع أثرها، ويقطع بالحرق المتتابع خبرها...الخ ما جاء فيها. انظر: (دولة الإسلام في الأندلس) عبدالله عنان، العصر الثالث - القسم الأول 432 .

أسطورة تاريخية مختلقة!

زعموا أن خبر إحراق كتاب الإحياء وصل إلى أبي حامد الغزالي، وكان جالساً في حلقته، فدخل عليه رجل مسن من أهل فاس، فاستخبر عن حاله، ثم سأله عن كتاب الإحياء ماذا صنع به أهل الغرب؟ فاستحيا منه ولم يجبه، فعزم عليه، فأخبره بإحراقه، فدعا الغزالي على المرابطين وقال: (اللهم مزق ملكهم كما مزقوه!) وكان في الحلقة محمد بن عبدالله بن تومرت(1) فقال: "ادع الله أن يجعله على يدي، فلم يجبه لذلك".
ثم مكث زمناً فجاءه رجل آخر من أهل الغرب فحدثه بما حدثه به الأول، فدعا على المرابطين بتمزيق ملكهم، فطلب ابن تومرت أن يكون ذلك على يديه، فقال الغزالي: "قم؛ سيجعل الله ذلك على يديك"!!
وفعلاً كان أن استجاب الله دعاءه عليهم، كرامة للغزالي، ومزق ملك المرابطين على يد ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين... هكذا تزعم الرواية.
وهذه القصة إفك مفترى:
أولاً: لو ثبت لكان فيها أكبر الطعن على الغزالي الذي يدعو في مؤلفاته الأخلاقية إلى التسامح وحسن الصفح والعفو، ولأصبحت علامة على أن الرجل يبطن ما لا يظهر وأن فعله يناقض قوله.
ثانياً: أن ابن القطان المراكشي الكتامي قد تفرد بسوق هذه القصة عن الرجل المسن المجهول، وكل من جاء بعده ينقلها عنه من كتابه "نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان"(2).
وابن القطان هذا متهم في إيرادها، لأنه متحامل جداً على المرابطين حيث يرميهم بأقذع الأوصاف، بسبب اختلاف المشرب، ولأنه إنما ألف كتابه (نظم الجمان) لتعظيم دولة الموحدين، ومدحهم والثناء عليهم، وإبراز مآثرهم، فلا يبعد أن يكون قد لفق أو تلقف هذه القصة تشفياً من دولة المرابطين!.
ثالثاً: إن ابن تومرت لم يلتق بالغزالي البتة، وذلك أن ابن تومرت خرج لطلب العلم من المغرب سنة 501ه وعلى أقل تقدير في أواخر سنة 500 هـ ورحل منها إلى الأندلس، ومنها إلى الإسكندرية، ومنها إلى الحج، ومنه إلى بغداد، وهنا تورد القصة أنه التقاه في بغداد، ولكن المصادر تجمع - وكذا حكى الغزالي عن نفسه في (المنقذ من الضلال) - أنه خرج إلى نيسابور سنة 499ه، وجلس للتدريس في نظاميتها إلى أن مات، فأين اللقى؟!!
رابعاً: أن قضية إحراق كتاب الإحياء كانت في أوائل سنة 503ه، وعلى أقل تقدير في أواخر سنة 502ه، ويومها - قطعاً - كان الغزالي في بلده (طوس) وابن تومرت لا يعرف عنه أنه تجاوز بغداد شرقاً في رحلته، فلم يدخل إقليم خراسان أصلاً، فأنى لهذه القصة أن تصح!
ولأجل هذه الأسباب وغيرها أنكر جماعة من الأئمة القصة ك: ابن الأثير، وابن خلدون، وابن الخطيب... وغيرهم(3)، وكثير من الباحثين المعاصرين خلصوا إلى هذه النتيجة(4).

وعوداً على ما ذكرناه من نقد العلماء لكتاب الإحياء، نسوق جملة من فتاواهم ومقولاتهم عن (إحياء علوم الدين) فمن ذلك:

1- ما كتبه عالم الإسكندرية أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي المالكي (520 هـ) في رسالة له إلى ابن المظفر، فقال: (أما ما ذكرت من أمر الغزالي، فرأيت الرجل وكلمته، فوجدته رجلاً جليلاً من أهل العلم قد نهضت به فضائله، واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول عمره، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد ينسلخ من الدين، فلما عَمِل (الإحياء) عمد يتكلم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير دري بها ولا خبير بمعرفتها!! فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قر، ولا في أحوال الزاهدين استقر.
ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم كتاباً على وجه البسيطة - في مبلغ علمي - أكثر كذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.
سبكه بمذاهب الفلاسفة، ومعاني رسائل أخوان الصفا، وما مثل من قام لينصر دين الإسلام بمذاهب الفلاسفة، وآرائهم المنطقية، إلا كمن يغسل الماء بالبول.
ثم يسوق الكلام سوقاً، يرعد فيه ويبرق، يمني وشوق حتى إذا تشوفت له النفوس، قال: "هذا من علم المعاملة، وما وراءه من علم المكاشفة، ولا يجوز تسطيره في كتاب"، أو يقول: "هذا من سر القدر الذي نهينا عن إفشائه"!
وهذا فعل الباطنية، وأهل الدغل والدخل، وفيه تشويش للعقائد، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة.
فإن كان الرجل يعتقد ما سطره في كتابه لم يبعد تكفيره، وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله.
وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنار، فإنه إن ترك انتشر بين ظهور الناس، ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سُطر فيه مما هو ضلال، فيحرق قياساً على ما أحرقته الصحابة رضي الله عنهم من صحائف المصحف التي كان فيها اختلاف ألفاظ، ونقص آيٍ.
وفي دونه من الكتب غنية وكفاية لإخواننا المسلمين، وطبقات الصالحين.
ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات، ولا يفهمون الإلهيات، ومن كان كذلك لم يكن له أن يقفوا ما ليس له به علم، والسلام"(5).
2- ومن ذلك أن الإمام أبا عبدالله محمد بن علي المازري الصقلي (536ه) كتب جواباً على سؤال ورده متكرراً في نواحي كثيرة من المشرق والمغرب يسألونه عن (إحياء علوم الدين) فذكر جواباً طويلاً جاء فيه: (ولقد عجبت من قوم مالكية يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورده عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء! ونفثات الأصقياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ.... الخ"(6).
3- ومن ذلك ما قاله القاضي عياض اليحصبي (544ه): "والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذاهبهم، وصار داعيةً في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون الأمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتُثل ذلك"(7).
4- ومن ذلك ما قاله أبو الفرج بن الجوزي (597ه): "اعلم أن في كتاب (الإحياء) آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع والاغترار بلفظ مصنوع، وكيف ارتضي لك أن تصلي صلوات الأيام والليالي، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به ما لا حاصل له من الكلام في الفناء، والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الغلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابي (تلبيس إبليس)"(8).
5- وقال أيضاً: (وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم - أي للصوفية - كتاب (الإحياء) على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وجاء بأشياء من جنس كلام الباطنية"(9).
6- ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (728ه) لما سئل عن الإحياء وعن (قوت القلوب) فأجاب: "أما كتاب (قوت القلوب)، وكتاب (الإحياء) تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب مثل الصبر، والشكر، والحب، والتوكل، والتوحيد، ونحو ذلك، فأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد، وأجود تحقيقاً، وأبعد عن البدعة، مع أن في (قوت القلوب) أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة.
وأما في (الإحياء) من الكلام في المهلكات، مثل الكلام على الكبر، والعجب، والرياء، والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في (الرعاية)، ومنه ما هو مقبول، ومنه ماهو مردود، ومنه ماهو متنازع فيه.
و(الإحياء) فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين وألبسه ثياب المسلمين.
وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: "مرضه الشفاء" يعني (شفاء) ابن سينا في الفلسفة.
وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة.
وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم.
وفيه مع ذلك من كلام المشائخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس، وتنازعوا فيه"(10).
ومن ذلك ما قاله الإمام الذهبي (748ه): "أما (الإحياء) ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياض النووي، وأذكاره تفلح وتنجح.
وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا صراطك المستقيم"(11).
7- ومن ذلك ما كتبه الشيخ العلامة عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ (1293ه) في رسالة أرسلها إلى رجل ينصحه بترك قراءة كتاب (الإحياء)، فقال: "وبعد: فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينية على الملة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب (الإحياء) للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في (الإحياء) من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين، وقد سلك في (الإحياء) طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله، وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة يعرفها أولو الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار. وقد حذر أهل العلم والبصيرة من النظر فيه، ومطالعة خافيه وباديه، بل أفتى بتحريقه علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وسماه كثير منهم (إماتة علوم الدين) وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع، وزيف ما فيه من التموية والترقيع، وجزم بأن كثيراً من مباحثه زندقة خالصة لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل. وكلام أهل العلم معروف في هذا، لا يشكل إلا على من هو مزجي البضاعة، أجنبي من تلك البضاعة...الخ"(12).
8- ومن ذلك ما حكاه العلامة العراقي أبو المعالي محمود شكري الألوسي (1342ه) من الحوار الذي دار بينه وبين رجل مغرم بقراءة (الإحياء) وإقرائه، فقال: "الإمام أبو حامد الغزالي اعترض على كتبه كثير من العلماء الربانيين... ومن العجب أن بعض الجهلة ممن يدعي العلم والصلاح، وهو عار عنهما، وقد تزيا بزي أهلهما، قد راج سوقه على العوام، بما يقصه عليهم في الوعظ من الأكاذيب والأوهام و قد ذكر (إحياء العلوم) وشرع يمدحه بأعظم المدائح، ويقرظه بكل ما خطر له من الثناء، فقلت له: إنه اشتمل على أحاديث موضوعة، ومسائل فلسفية خارجة عن الشريعة، وآراء محضة مخالفة للسنة النبوية، وبناء على ذلك أن أهل العلم الموثوق بعلمهم لا يقيمون لهذا الكتاب وزناً، حتى أن بعضهم ألف كتاباً في بيان حال ما فيه من الأحاديث، فنظر إلي شزراً وقال: كيف تقول هذا الكلام وقد شرحه العلامة الزبيدي، وخرج أحاديثه، وبين أسراره؟! فقلت له: إن الزبيدي ليس من أهل هذا الفن، ولا هو من رجال هذا الميدان، وإنما له بعض الإطلاع على اللغة، وبعض العلوم العربية، وكلام مثله في باب الجرح والتعديل غير ملتفت إليه، وكان من غلاة القبوريين، والدعاة لمبتداعاتهم، فلما سمع ذلك أعراض ونأى بجانبه، ولم يلتفت إلى ما قلته، والكلام الحق اليوم ثقيل على الأسماع، لاسيما على أهل الزيغ والابتداع"(13).
والنقد لكتاب (الإحياء) طويل الذيل، فمن رامه طلبه من مظانه، والله المستعان.


دفاع ميت!

قد يقول قائل: ما في (الإحياء) من شطحات ومساوئ إنما نقلها عن غيره؟!
قلنا: وكذلك ما فيه من خير وإحسان ومعروف إنما نقله عن غيره، وليس له فيه فضل سوى سبك الكلام! فلماذا يمدح بما ذكره في (الإحياء) من الخير، ويغض الطرف عما فيه من البلاء؟ مع أن الإنسان إنما يُثَّرب عليه إذا نقل عن الآخرين الشر والسوء والفتنة.
وكون الغزالي - يرحمه الله - ينقل كلام غيره، هذا لا يخرجه من العهدة، ولا يبرئ ساحته، لأن الناقل لكلام غيره لا يخلو:
1- إما أن ينقله مرتضياً له، ومؤيداً لما فيه.
وشاهد رضاه وتأييده أن ينتصر له، ويدافع عنه، ويشرحه ويوضحه، ويزيده بياناً وتأكيداً، ويستنبط منه، وينبسط إليه، ويبني عليه قضايا أخر، ونحو ذلك مما يدل على احتفائه بما نقله.
2- وإما أن ينقله غير راضٍ عنه، ولا مؤيد له.
وشاهد ذلك أن يأخذ في الرد عليه، وبيان عواره، وفساده، ونحو ذلك مما يدل على رفضه ونفرته لما نقله.
أما أن ينقل كلاماً ويسكت عنه، فالأصل أن الكلام المنكر الممتليء كفراً وزندقة، أو شراً ومفسدة، لا يجوز إظهاره للناس، ولا ترويجه بينهم، بنقله في الدفاتر، أو حكايته على رؤوس الاشهاد، فيغتروا بهذا النقل، فيثني على القالة لأن فلاناً نقلها ساكتاً عنها، ولم يتعقبها بشيء، ولو كان فيها محظور لما تركها على علاتها.. هكذا يستدل الناس.
والواجب إنكار المنكر، وبيان حقيقته للأمة، وتحذير الناس منه وتنفيرهم عنه، وأن يخمد في مدفنه، ويهمل في مكمنه، عسى الله أن يذهب القالة كما أذهب قائلها، فلا يدرى طريقها بعد ذلك.
ثم هذا دفاع بارد جداً! لأن أبا حامد الغزالي - رحمه الله - ليس بالغافل ولا المستغفل بحيث تمر عليه عبارات القوم دون تقليب لمعناها، ومعرفة لفحواها، بل له بها أنس وطرب، ولا يذكرها إلا على سبيل الاستئساس، بَلْهَ الاستئناس.
والذي يدل على ارتضاه لما نقله - وهو خريت الجماعة - وتحققه مما قاله، ونهوضه به، أمران:
الأول: أنه قعد قاعدة عامة لكل من ينظر في عبارات القوم، فقال: "إذا عرض لك من كلام عالم إشكال يؤذن في الظاهر بمحال أو اختلال، فخذ ما ظهر لك علمه، ودع ما اعتاص عليك فهمه، وَكِل العلم فيه إلى الله عز وجل"(14).
فانظر كيف يفضي القداسة على مقولات القوم، بحيث إن الخطأ لا يعتريها، وإنما يعتري فهم السامع وذهن القارئ، وأما هي فحاشاها، لأن لها سراً!!
وهذا توطئة منه مسبقة لما عساه أن يكون في كلامه أو نقله من الغرائب - التي يفيد ظاهرها الكفر والإنحلال، وعلى أحسن الأحوال لا يُدرى ما يراد بها - وتمهيد تمريرها إلى نفسية القارئ ليتقبلها ويحس الظن بأهلها.
الثاني: أنه دافع عن أحيائه بفتوة، وأصر على ما فيه بقوة، وذم من خالفه ونغصه، ورماه بأبشع الأوصاف وتنقصه، فقد جعلهم (شركاء الطغام، وأمثال الأنعام، وأجماع العوام، وسفهاء الأحلام، وذعار أهل الإسلام"(15).
فكأنه لا يرتضي أن يتعقبه أحد، مع أن كلامه ما وقف عليه أحد إلا لاحظ ورد وتعقب، وحتى تلاميذه الخواص العالمون بحاله استشكلوا بعض ما في (الإحياء) فأملى عليهم إملاءه المشهور لحل إشكالاته، فلم يحلها بل زادها إشكالاً.
وقد اعترف الغزالي - رحمه الله - أن الناس يستشكلون شيئاً من كلامه، ويستغربون صدوره منه، فكان يدفع ذلك بانتقاص قدراتهم النفسية، وملكاتهم العقلية، وأنهم "لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تتفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم"(16).
إذن لا مَدْفَع ولا تبرير!!


حكم قراءة الكتاب:

لا بد من النظر حال الحكم على الكتاب وقراءته إلى جهتين: مادة الكتاب، وقرائه.
فأما مادة كتاب (الإحياء) فسبق الكلام عنها وما قيل فيها.
وأما القراء فهم على ثلاثة أصناف:
صنف متعصب لأبي حامد وكتابه، لا يقبل في نقده كلمة، ولا في تقويمه حرفاً، ولا يرتضون من أحد أن يقدح فيه، ويصمون آذانهم عن سماع عيوبه، ومعرفة خلله، وهؤلاء نسأل الله لهم الهداية والبصيرة والرجوع إلى الحق.
والصنف الثاني: أهل العلم وطلابه المترسون، الحداق بمواطن الزلل، وبواطن الخلل، فهؤلاء لا يحتاجون إلى فرض وصاية عليهم، وليس مثلي من يبصر مثلهم، فهم أبصر بالصواب وأعلم.
والصنف الثالث: عامة الناس، وسواد الأمة، من كافة الطبقات والتخصصات، بدءاً من أصحاب المهن الوضيعة، وانتهاء بأصحاب المقامات الرفيعة، فهؤلاء نقول لهم: سيراً على ضوء مقاصد الشرع وقواعده، وجرياً على ما كان عليه أئمة السلف، فإننا ننصحكم بعدم مطالعة كتاب (الإحياء) أو قراءته، وبعدم اقتنائه أو شرائه.
أما من جهة المقاصد، فإن من مقاصد الشارع الحفاظ على عقائد الناس، وسلامة أديانهم، وحمايتها من شوائب الشرك، وتخليصها من دخائل البدع، فما ضاد ذلك وجب طرحه وفضحه.
ولا شك أن الأمر إذا اختلط حابله بنابله، وسيئه بحسنه، وشره بخيره، فإنه يتجنب ويحذر منه خشية التباس الباطل بالحق، وتغليف المنكر بالمعروف، فيتسرب إلى قلوب الخلق من المحظور ما لا يستطاع قلعه بالمشروع والمأمور.
وأما من جهة القواعد، فلأن من قواعد الفقهاء المقررة أن الأمر إذا اجتمع فيه مصلحة ومفسدة، غلب جانب المفسدة، فتدرأ.
وإذا اجتمع في الشيء الواحد حظر وإباحة، قدم الحظر لأنه الأحوط، إبراء للذمة.
وهلم جرا من القواعد التي تندرج تحت القاعدة الكبرى: الضرر يزال.
وأما من حيث الواقع - الذي هو مسرح النظر في الفتوى - فلأن الثناء على الكتاب والنصح بقراءته واقتنائه يغرر الناس به، ويخدعهم بما فيه، ولا ينبغي لعلماء الإسلام الإشادة إلا بما صفى من الكدر، وصفي من القذر، ف (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم).
واسمع - هديت - إلى ما قاله الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله، قال: "سئل أحمد عن الحارث المحاسبي وكتبه؟ فقال: إياك وهذه الكتب، بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك، قيل له: في هذه الكتب عبرة؟. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، هل بلغكم أن مالكاً، والثوري، والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس؟! ما أسرع الناس إلى البدع"(17).
وأما أن الناس يستطيعون تمييز غثه من سمينه: فدعوى، فإن كتب أهل الضلالة لا تؤمن غوائلها ولقد رأينا وسمعنا من انسلخ في طياته وهم ينسبون للعلم، فكيف بعامة الناس!
ثم إن ما فيه من الحق والخير والمعروف والهدى موجود في غيره مما هو أمثل منه وأجود، والاستغناء عنه لا يفوت مصلحة على المكلف حتى يقال بلزوم قراءته أو النصح به.
وهذا الذي قررناه هنا قد قرره أبو حامد الغزالي - رحمه الله - وارتضاه أصلاً في حكم مطالعة الكتب المدخولة والمخلوطة، فقال: "لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة، وكمال العقل في تمييز الحق عن الباطل، والهدى عن الضلالة، وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن، إذ لا يسلم من نظر في كتبهم، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، أن يستحسنها ويقبلها، ويحسن اعتقاده فيها.. فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به، لحسن ظن حصل فيما رآه واستحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل، ولأجل هذه الآفة يجب الزجر في مطالعة كتبهم، لما فيها من الغدر والخطر، وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب"(18).
وهذا أصل متين، مشهور عند أهل العلم قاطبة، وبه حاكمنا كتاب (الإحياء).
وهذه النتيجة التي خلصنا إليها من حكم قراءة كتاب (الإحياء) ليست بدعاً من النتائج، فقد ساق العلامة ابن صلاح كلام المازري، وصاغه صياغة، ذاكراً خلاصته ونتائجه، فقال: "ثم تكلم المازري في محاسن (الإحياء) ومذامه، ومنافعه ومضاره بكلام طويل، ختمه بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب، فإن قراءته لا تجوز له، وإن كان فيه ما ينتفع به. ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب، ويعلم ما فيه من الرموز، فيجتنب مقتضى ظواهرها، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى إن كانت كلها تقبل التأويل، فقراءته لها سائغة، وينتفع به، اللهم إلا أن يكون قارئه ممن يقتدى به، ويغتر به، فإنه ينهى عن قراءته، وعن مدحه والثناء عليه".
قال: "ولولا أنا علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة، ومن عنده علم يأمن به على نفسه، لم نتبع محاسن هذا الكتاب بالثناء، ولم نتعرض لذكرها، ولكنا نحن أمِنا من التغرير، ولئلا يظن - أيضاً - من يتعصب للرجل أنا جانبنا الإنصاف في الكلام على كتابه، ويكون اعتقاده هذا فينا سبباً لأن لا يقبل نصيحتنا، والله أعلم"(19).
وأخيراً.. لربما يقول قائل: إذاً يهذب (الإحياء) ويختصر، وينقى مما فيه، ويصفى من الحكايات الواهية، والأحاديث الموضوعة، والأقوال المنكرة، فيحذف كل ذلك ويبقى الطيب النافع.
فيقال جواباً عليه: إن جماعة من العلماء قد رام اختصاره وتهذيبه، لكن حينئذ لا فرق بين (الإحياء) وغيره، إذ كل كتاب أساء صاحبه في بعضه وخلط، يمكن أن يصفى من المدخول السييء، ويبقى الطيب النافع، فلا فضل ثم، ولا ميزة إذن.
ثم إن المختصر ينسب إليه مختصره، كما ينسب الجامع إلى جامعه ولو لم يكن له مجرد الجمع، إذ الكل - الجمع أو الاختصار - من مطالب التأليف، وغايات الكتّاب.
اللهم ارحم أبا حامد، وتقبل توبته، وأعظم أجره، وأرفع درجته.
اللهم لا تجعلنا من الغالين فيه، ولا الجافين عنه، وانفعنا بما كتب وألف من الحق والهدى.. وجنبنا ما سوى ذلك، منه ومن سائر علمائنا وأئمتنا... آمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الهوامش:
1- هو محمد بن عبدالله بن تومرت الهرغي السوسي - من إقليم سوس بالمغرب الأقصى - والملقب بعد ب "المهدي القائم بأمر الله" ولد سنة 485ه، وتوفي سنة 524ه، رحل في طلب العلم، وتشبع بالكلام، خاصة مذهب الأشاعرة، وبه انتشر في المغرب، وألف (المرشدة) لنصرة مذهبهم، وأعلن وجوب تقليدهم.. وجمع بدعاً كثيرة منها القول بعصمة الإمام على مذهب الرافضة، وكان يخط بالرمل على طريقة المنجمين، بل كان أوحد عصره فيه!! وله ولع بكتاب (الجفر) وغير ذلك.. أعلن ثورته على المرابطين سنة 514ه، وسمى أتباعه ب "الموحدين" زوراً! أنظر: (المعجب)(247)، و (الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى)(81/2، 105، 92) و(نظم الجمان)(168)، وقد أعد الدكتور عبدالمجيد النجار دراسة عنه بعنوان: (المهدي بن تومرت: حياته، وآراؤه، وثورته الفكرية والاجتماعية، وأثره بالمغرب) طبع في دار الغرب الإسلامي عام 1403ه.
2- انظر: (نظم الجمان)(72-73) و(الحلل الموشية) لابن الخطيب (76-77) و(المعيار المعرب) للونشريسي (133/12)، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني (362/7-363).
3- انظر: (الكامل) لابن الأثير(294/8)، وتاريخ ابن خلدون (226/6)، و (الإحاطة) لابن الخطيب (417/1-418).
4- انظر: كلام العلامة محمد عبدالله عنان في (دولة الإسلام في الأندلس) العصر الثالث - القسم الأول (161-163)، والعلامة عبدالوهاب بن منصور في تعليقه على (الأنيس المطرب بروض القرطاس) لابن أبي زرع (218)، والدكتور محمود علي مكي في تعليقه على (نظم الجمان) لابن القطان (72).
5- رسالته بتمامها في (المعيار المعرب)(186/12-187)، وانظر: (تاريخ الإسلام) للذهبي (122)، و (طبقات الشافعية الكبرى) (243/6).
6- انظر: (السير)(330/19) ونقل ملخصها ابن الصلاح نقلاً جيداً في (طبقات الفقهاء الشافعية) (255/1-259)، بينما ابتسرها ابن السبكي في طبقاته (240/6-242) وقال العلامة الألوسي: "ثم إن ابن السبكي أجاب عن بعض ما اعترض به المازري والطرطوشي بأجوبة ارتكب التعسف فيها كما هي عادته من التعصب لأهل مذهبه، ومع ذلك لم يمكنه إنكار جهل الغزالي بالحديث"، (غاية الأماني) (368/2).
7- انظر: السير (327/19).
8- انظر: مختصر منهاج القاصدين (16-17).
9- تلبيس إبليس (217) بتصرف يسير.
10- مجموع الفتاوى (551/10-552).
11- السير (339/19-340).
12- القول المبين في التحذير من كتاب إحياء علوم الدين (42-45) بتصرف يسير.
13- غاية الأماني (366/2-371) بتصرف يسير.
14- الإملاء في إشكالات الإحياء (18/5) ملحق بآخر الإحياء.
15- المرجع السابق (13/5).
16- المنقذ من الضلال (63).
17- انظر: تاريخ بغداد (215/8)، والسير (122/12)، والآداب الشرعية لابن مفلح (2 - 82،83 ).
18- المنقذ من الضلال (63، 65-66) بتصرف.
19- طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (259/1).
=======================


http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=78741 (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=78741)

أبو عبد الرحمن
04-05-2010, 01:35 AM
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء ، إعداد محمد بن عبدالله الهبدان ، الطبعة الأولى 1426هـ ، دار طيبة . ( 941 صفحة ) .

كتب المؤلف في بيان منهج الكتاب :

هاهي مادة كتاب حلية الأولياء قد نُظِمت فيما يقارب ثلاثمائة موضوع من الموضوعات العامة ، ورتُبت هذه الموضوعات على ترتيب حروف الهجاء ، وأضحت الاستفادة الموضوعية من هذا الكتاب الجليل ميسرة على طلاب العلم ولعلي أنبه إلى ما يلي :

أ . الأصل أن دورنا في هذا الكتاب ينحصر في جمع شتات المعلومات المتناثرة في كتب التراجم في مكان واحد ، ويبقى على القارئ أن يمحص الرواية ويتثبت من صحتها .
ب. هناك بعض الأقوال والقصص القليلة فيها مخالفات شرعية لم نحذفها لكي يستفاد منها في معرفة أقوال القوم ، ومن ثم نقاشها لمن يرغب في مناقشتها . وهي مواضع يسيرة لا تؤثر بحال على قيمة الكتاب وفوائده .
ج. على القارئ أن يتأكد من الأسماء ؛ فربما يقرأ : قال أحمد ، فيظنه ابن حنبل وهو آخر ، ونحن نجتهد في نسبة الأسماء ولكن إذا لم نستطع تركناه على حسب الرواية الموجودة في الكتاب .
د. حرصنا على توزيع الأقوال والقصص والمواقف في كل موطن يمكن الاستشهاد بها فيه ـ حتى ولو كان هناك تكرار ـ نظراً لوجود المصلحة في ذلك .

http://tafsir.net/vb/showthread.php?t=18932 (http://tafsir.net/vb/showthread.php?t=18932)

http://www.islamlight.net/index.php?option=content&task=view (http://www.islamlight.net/index.php?option=content&task=view)... - 54k

حسين عامر
04-14-2010, 03:51 AM
ما شاء الله أخي عبد الرحمن جهد مشكور
بارك الله فيك ونفع بك
آمين

حسين عامر
04-14-2010, 03:54 AM
قال بعض الأدباء‏:‏ أحسن الآكلين أكلاً من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول‏.‏

وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول‏:‏ من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهماً‏.‏

وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء وزيادة النشاط في الإنبساط وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما‏:‏ أحب إخواني إلي أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمةً وأثقلهم على من يحوجني إلى تعهده في الأكل وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع‏.‏

وقال جعفر رحمه الله أيضاً‏:‏ تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله‏.‏

وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال‏:‏ يا أبا معاوية تدري من صب على يديك فقال لا قال‏:‏ صبه أمير المؤمنين فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله‏.‏

وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائماً يأكل من متاع بقالٍ في السوق يأخذ من هذه الجونة تينةً ومن هذه قسبةً فقال له هشام‏:‏ ما بدا لك يا أبا سعيدٍ في الورع تأكل متاع رجلٍ بغير إذن فقال‏:‏ يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى ‏"‏ أو صديقكم ‏"‏ فقال‏:‏ فمن الصديق يا أبا سعيدٍ قال‏:‏ من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب

ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول‏:‏ ذكرتموني أخلاق السلف
قال الثوري‏:‏ إذا زارك أخوك فلا تقل له‏:‏ أتأكل أو أقدم إليك ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع‏.‏

قال رجل خياط لابن المبارك‏:‏ أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة قال‏:‏ لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة نفسهم‏.‏

ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له‏:‏ هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله عليه وسلم فقال‏:‏ نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب وقال‏:‏ قد أجبتكم فأجيبوني قالوا‏:‏ نعم فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم‏.‏
يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ميلاً عد مريضاً سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخاً في الله‏.‏

قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضا عن الله‏.‏

قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف قال طلاقة الوجه وطيب الحديث‏.‏

وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حسناً وأطعمنا حسناً

قال الحجاج لبعض الأطباء‏:‏ صف لي صفةً آخذ بها ولا أعدوها قال‏:‏ لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتياً ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواءً إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ولا تأكلن طعاماً إلا أجدت مضغه وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه شيئاً ولا تحبس الغائط والبول وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة‏.‏

قال الشافعي رضي الله عنه
أربعة تقوي البصر‏:‏ الجلوس تجاه القبلة والكحل عند النوم والنظر إلى الخضرة وتنظيف الملبس‏.‏

وأربعة توهن البصر‏:‏ النظر إلى القذر والنظر إلى المصلوب والنظر إلى فرج المرأة والقعود في استدبار القبلة‏.‏

والنوم على أربعة أنحاء‏:‏ فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد ونوم على الشمال وهو نوم الملوك لهضمهم طعامهم ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين‏.‏

وأربعة تزيد في العقل‏:‏ ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين والعلماء‏.‏

وأربعة هن من العبادة‏:‏ لا يخطو خطوةً إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم المساجد وكثرة قراءة القرآن‏.‏

حسين عامر
04-14-2010, 03:56 AM
قال عمر رضي الله عنه لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور‏.‏
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول‏:‏ لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزباً‏.‏

وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال‏:‏ الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار‏.‏

وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله‏:‏ ‏"‏ الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فإنها تفرغك للآخرة‏.‏

وقال محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ‏"‏ قال‏:‏ المرأة الصالحة‏.‏

وفي بعض التفاسير في قوله تعالى ‏"‏ فلنحيينه حياة طيبة ‏"‏ قال‏:‏ الزوجة الصالحة

وقال ابن مبارك وهو مع إخوانه في الغزو‏:‏ تعلمون عملاً أفضل مما نحن فيه قالوا‏:‏ ما نعلم ذلك‏.‏

قال‏:‏ أنا أعلم قالوا فما هو قال رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياماً متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه فعمله أفضل مما نحن فيه‏.‏

قال بعض العرب‏.‏ لا تنكحوا من النساء ستة‏:‏ لا أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا تنكحوا حداقة ولا براقة ولا شداقة‏.‏

أما الأنانة فهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة فنكاح الممراضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه

والمنانة‏:‏ التي تمن على زوجها فتقول‏:‏ فعلت لأجلك كذا وكذا

والحنانة‏:‏ التي تحن إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر وهذا أيضا مما يجب اجتنابه

والحداقة‏:‏ التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه

والبراقة التي تعمل طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع

والشداقة‏:‏ المتشدقة الكثيرة الكلام

وروي أن بلالاً وصهيباً أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل لهما من أنتما فقال‏:‏ فقال بلال‏:‏ أنا بلال وهذا أخي صهيب كنا ضالين فهدانا الله وكنا مملوكين فأعتقنا الله وكنا عائلين فأغنانا الله فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فسبحان الله فقالوا بل تزوجان والحمد لله فقال صهيب‏:‏ لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق‏.‏

واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة فسأل‏:‏ من أعقلها فقيل‏:‏ العوراء فقال‏:‏ زوجوني إياها

وقالت عائشة "‏ النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته ‏"‏

وقال رجل للحسن‏:‏ قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها قال‏:‏ ممن يتقي الله فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها‏.‏

وقال الشعبي ‏"‏ من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها ‏"‏‏.‏

وقال عمر رضي الله عنه:‏ ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلاً‏.‏

ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت‏:‏ والله كان ضحوكاً إذا ولج سكيتاً إذا خرج آكلاً ما وجد غير مسائل عما فقد‏.‏

وقال علي رضي الله عنه‏:‏ لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك‏.‏

كما روي أن أسماء بنت خارجة الفزاري قالت لأبنتها عند التزويج إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أرضاً يكن لك سماء وكوني له مهاداً يكن لك عماداً وكوني له أمة يكن لك عبداً لا تلحفي به فيقلاك ولا تباعدي عنه فينساك إن دنا منك فاقربي منه وإن نأى فابعدي عنه واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيباً ولا يسمع إلا حسناً ولا ينظر إلا جميلاً‏.‏
وهم رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره فقالوا لزوجته‏:‏ لم ترضين بسفره ولم يدع لك نفقة فقالت زوجي منذ عرفته عرفته أكالاً وما عرفته رازقاً ولي رب رزاق‏:‏ يذهب الأكال ويبقى الرزاق‏.‏

أبو عبد الرحمن
04-16-2010, 09:57 AM
ـ أبوحامد الغزالي: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الملقب بحجة الإسلام 450 ـ 505هـ ولد بطوس من إقليم خراسان، نشأ في بيئة كثرت فيها الآراء والمذاهب مثل علم الكلام والفلسفة، والباطنية، والتصوف، مما أورثه ذلك حيرة وشكاً دفعه للتقلب بين هذه المذاهب الأربعة السابقة أثناء إقامته في بغداد، رحل إلى جرجان ونيسابور، ولازم نظام الملك، درس في المدرسة النظامية ببغداد، واعتكف في منارة مسجد دمشق، ورحل إلى القدس ومنها إلى الحجاز ثم عاد إلى موطنه. وقد ألف عدداً من الكتب منها: تهافت الفلاسفة، والمنقذ من الضلال، وأهمها إحياء علوم الدين. ويعد الغزالي رئيس مدرسة الكشف في المعرفة، التي تسلمت راية التصوف من أصحاب الأصولية الفارسية إلى أصحاب الأصول السنية، ومن جليل أعماله هدمه للفلسفة اليونانية وكشفه لفضائح الباطنية في كتابه المستظهري أو فضائح الباطنية. ويحكي تلميذه عبد الغافر الفارسي آخر مراحل حياته، بعدما عاد إلى بلده طوس، قائلاً: (( وكانت ثمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ اللذين هما حجة الإسلام )) ا. هـ. وذلك بعد أن صحب أهل الحديث في بلده أمثال: أبي سهيل محمد بن عبد الله الحفصي الذي قرأ عليه صحيح البخاري، والقاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي الذي سمع عليه سنن أبي داود [ طبقات السبكي 4 / 110 ].
ـ وفي هذه المرحلة ألف كتابه إلجام العوام عن علم الكلام الذي ذم فيه علم الكلام وطريقته، وانتصر لمذهب السلف ونهجهم فقال: (( الدليل على أن مذهب السلف هو الحق: أن نقيضه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة، والخوض من جهة العوام في التأويل والخوض بهم من جهة العلماء بدعة مذمومة، وكان نقيضه هو الكف عن ذلك سنة محمودة )) ص[96].
ـ وفيه أيضاً رجع عن القول بالكشف وإدراك خصائص النبوة وقواها، والاعتماد في التأويل أو الإثبات على الكشف الذي كان يراه من قبل غاية العوام.

المزيد (http://www.vb-khutabaa.com/showthread.php?p=2850#post2850)

حسين عامر
05-16-2010, 11:15 PM
روي أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً فقال‏:‏ ما تصنع قال‏:‏ أتعبد‏.‏

قال من يعولك قال أخي‏.‏

قال أخوك أعبد منك‏.‏

وقال لقمان الحكيم لابنه‏:‏ يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال‏:‏
رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته
وأعظم من هذه الثلاث‏:‏ استخفاف الناس به‏.‏

وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة‏.‏

وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه‏:‏ أصبت استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته‏.‏

وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة قال التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده .‏

وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري‏.‏


وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله وكان معهم فيها‏:‏ أما ترى هذه الشدة ؟
فقال‏:‏ ما هذه الشدة .....وإنما الشدة الحاجة إلى الناس‏.‏

وقال أيوب قال لي أبو قلابة‏:‏ الزم السوق فإن الغنى من العافية يعني الغنى عن الناس‏.‏

وقيل لأحمد‏:‏ ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي ؟
فقال أحمد‏:‏ هذا الرجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي ‏"‏ وقوله عليه السلام حين ذكر الطير فقال‏:‏ ‏"‏ تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ‏"‏ فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم‏.‏

وقال أبو قلابة لرجل‏:‏ لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد‏.‏

وقال أبو سليمان الداراني‏:‏ ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد‏.‏

روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول‏:‏ لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى .
قيل‏:‏
لا يغرنك من المرء قميص رقعه
أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه
ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه

وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال‏:‏ ائتني بمن يعرفك فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً فقال عمر‏:‏ أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه قال‏:‏ لا فقال‏:‏ كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق فقال‏:‏ لا قال‏:‏ فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل قال‏:‏ لا قال‏:‏ أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طوراً ويرفعه أخرى‏!‏ قال نعم فقال‏:‏ اذهب فلست تعرفه‏.‏

وقال للرجل‏:‏ اذهب فائتني بمن يعرفك‏.

حسين عامر
05-16-2010, 11:17 PM
ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبناً من كسب عبده ثم سأل عبده فقال‏:‏ تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال‏:‏ اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء‏.‏

وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيأ‏.‏

وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة هو الورع‏.‏

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه‏:‏ لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز‏.‏

وقال سهل رضي الله عنه‏:‏ من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم‏.‏

وقال سفيان الثوري رضي الله عنه‏:‏ من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال‏.‏

وروي في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء‏:‏ تفقدوا منه ثلاثاً فإن كان معتقداً لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان سيىء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه‏.‏

وعن على :‏ إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب‏.‏

وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول‏:‏ إني لا أسأل أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته حتى اعتذر يحيى وقال‏:‏ كنت أمزح فقال‏:‏ تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال‏:‏ ‏"‏ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ‏"‏

وقال عمر رضي الله عنه كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام وقيل‏:‏ إن هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏

وقال أبو الدرداء‏:‏ إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يدرك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حجاباً بينه وبين النار

وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين‏؛فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال‏:‏ وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استبعد ذلك منه‏.‏

ومن ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر فمات ليلاً فقال‏:‏ أطفئوا السراج فقد حدث للورثة حق في الدهن‏.‏

واشترى ابن مسعود رضي الله عنه جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن وقال‏:‏ اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي‏.‏

وروي أن رجلاً سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له‏:‏ تفرق الناس فأتى معاوية فأبى أن يقبض فأتى بعض النساك فقال‏:‏ ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما يبقى فبلغ معاوية قوله فتلهف إذ لم يخطر له ذلك

وكسح أبو موسى الأشعري بيت المال فوجد درهماً فمر بني لعمر رضي الله عنه فأعطاه إياه فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه فقال أعطانيه أبو موسى فقال‏:‏ يا أبا موسى ما كان في أهل المدية بيت أهون عليك من آل عمر أردت أن لا يبقى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد إلا طلبنا بمظلمة وردهم الدرهم إلى بيت المال‏.‏

حسين عامر
05-31-2010, 11:11 AM
قال حذيفة‏:‏ إياكم ومواقف الفتن‏!‏ قيل‏:‏ وما هي قال‏:‏ أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه‏.‏

وقال أبو ذر لسلمة‏:‏ يا سلمة‏ لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه

وكنت أسمع أنه يقال‏:‏ إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك إذ ما دخلت قط على السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له قيل له‏:‏ ولم قال لأنه يرضيه بسخط من الله‏.‏

واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلاً فقيل‏:‏ كان عاملاً للحجاج فعزله فقال الرجل‏:‏ إنما عملت له على شيء يسير فقال له عمر‏:‏ حسبك بصحبته يوماً أو بعض يوم شؤماً وشراً‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ ما ازداد رجل من ذي سلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً‏.‏

وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول‏:‏ إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين‏.‏

وقال وهيب‏:‏ هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين‏.‏

وقال محمد بن سلمة‏:‏ الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء‏.‏

وورد (من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ‏)‏

ولقد سئل سفيان الثوري رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال‏:‏ لا دعه حتى يموت فإن ذلك إعانة له‏.‏

وحكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجاً إلى مكة فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة

فقيل‏:‏ يا أمير المؤمنين قد تفانوا
فقال‏:‏ من التابعين
فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولكن قال‏:‏ السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال‏:‏ كيف أنت يا هشام؟
فغضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله فقيل له‏:‏ أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك
فقال له‏:‏ يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت
قال‏:‏ وما الذي صنعت فازداد غضباً وغيظاً
قال‏:‏ خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت‏:‏ كيف يا هشام

قال‏:‏ أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي
وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولك لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة

وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب

وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال‏:‏ يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال‏:‏ ‏"‏ تبت يدا أبي لهب ‏"‏‏.‏

وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه يقول‏:‏ إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام‏.‏

فقال له هشام‏:‏ عظني

فقال‏:‏ سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول‏:‏ إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته‏.‏

ثم قام .‏

وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال‏:‏ أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى

فقال لي‏:‏ ارفع إلينا حاجتك فقلت له‏:‏ اتق الله فقد ملأت الأرض ظلماً وجوراً‏.‏

قال‏:‏ فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال‏:‏ ارفع إلينا حاجتك

فقلت‏:‏ إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعاً فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم

فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال‏:‏ ارفع إلينا حاجتك
فقلت‏:‏ حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه‏:‏ كم أنفقت قال‏:‏ بضعة عشر درهماً وأرى ههنا أموالاً لا تطيق الجمال حملها وخرج
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم‏.‏

وكان عمر بن عبد العزيز واقفاً مع سليمان بن عبد الملك فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة الرحل

فقال له عمر‏:‏ هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه

وحكي أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه

فلما دخل عليه قال له سليمان‏:‏ يا أبا حازم ما لنا نكره الموت
فقال‏:‏ لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب

فقال‏:‏ يا أبا حازم كيف القدوم على الله

قال‏:‏ يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان

وقال‏:‏ ليت شعري ما لي عند الله
قال أبو حازم‏:‏ اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال‏:‏ ‏"‏ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ‏"‏
قال سليمان‏:‏ فأين رحمة الله
قال‏:‏ قريب من المحسنين

ثم قال سليمان‏:‏ يا أبا حازم أي عباد الله أكرم

قال‏:‏ أهل البر والتقوى

قال‏:‏ فأي الأعمال أفضل

قال‏:‏ أداء الفرائض مع اجتناب المحارم‏.‏

قال‏:‏ فأي الكلام أسمع

قال‏:‏ قول الحق عند من تخاف وترجو

قال‏:‏ فأي المؤمنين أكيس
قال‏:‏ رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها

قال‏:‏ فأي المؤمنين أخسر

قال‏:‏ رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره

قال سليمان‏:‏ ما تقول فيما نحن فيه

قال‏:‏ أو تعفيني قال‏:‏ لا بد فإنها نصيحة تسديها إلي قال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم

فقال له رجل من جلسائه‏:‏ بئسما قلت

قال أبو حازم‏:‏ إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبننه للناس ولا يكتمونه‏.‏

قال‏:‏ وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد

قال‏:‏ أن تأخذه من حله فتضعه في حقه فقال سليمان‏:‏ ومن يقدر على ذلك فقال‏:‏ من يطلب الجنة ويخاف من النار‏.‏

فقال سليمان‏:‏ ادع لي‏.‏

فقال أبو حازم‏:‏ اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى

فقال سليمان‏:‏ أوصني

فقال‏:‏ أوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك‏.‏

وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم‏:‏ عظني فقال‏:‏ اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن فلعل تلك الساعة قريبة‏.‏

ودخل وهب بن منبه وطاوس على محمد بن يوسف - أخي الحجاج - وكان عاملاً وكان في غداة باردة في مجلس بارز فقال لغلامه‏:‏ هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن - أي طاوس - وكان قعد على كرسي فألقي عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه فغضب محمد بن يوسف فقال وهب‏:‏ كنت غنياً عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به قال‏:‏ نعم لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس - ولا يصنع به ما أصنع به - إذن لفعلت‏.‏

وقال ابن سيرين‏:‏ لا تحمل للسلطان كتاباً حتى تعلم ما فيه
وامتنع سفيان رحمه الله من مناولة الخليفة في زمانه دواة بين يديه وقال‏:‏ حتى أعلم ما تكتب بها
فكل من حواليهم من خدمهم وأتباعهم ظلمة مثلهم يجب بغضهم في الله جميعاً‏.‏

وروي عن عثمان بن زائدة أنه سأله رجل من الجند وقال‏:‏ أين الطريق فسكت وأظهر الصمم وخاف أن يكون متوجهاً إلى ظلم فيكون هو بإرشاده إلى الطريق معيناً‏.‏

عبدالله المهنا
06-03-2010, 10:44 PM
للفائدة : كتاب الإحياء يشتمل على ما يقرب من 950 حديثاً لا أصل له ، والضعيف والموضوع أضعاف مضاعفة .

حسين عامر
06-04-2010, 09:04 AM
حياكم الله أخي الكريم وجزاكم الله خيرا على هذه الإفادة

حسين عامر
06-04-2010, 09:12 AM
كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق
قال عيسى عليه السلام‏:‏ ‏"‏ تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم والتمسوا رضا الله بسخطهم ‏"‏
قالوا‏:‏ يا روح الله فمن نجالس قال‏:‏ جالسوا من تذكركم الله رؤيته ومن يزيد في عملكم كلامه ومن يرغبكم في الآخرة عمله‏.‏

قال علي رضي الله عنه‏:‏ عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ألا تسمع إلى قول أهل النار ‏"‏ فما لنا من شافعين‏.‏ ولا صديق حميم ‏"‏

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما‏:‏ والله لو صمت النهار لا أفطره وقمت الليل لا أنامه وأنفقت مالي غلقاً غلقاً في سبيل الله أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله ما نفعني ذلك شيئاً‏.‏

وقال ابن السماك عند موته‏:‏ اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنت أحب من يطيعك فاجعل ذلك قربة لي إليك‏.‏

وقال الحسن‏:‏ يا ابن آدم لا يغرنك قول من يقول المرء مع من أحب فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم‏.‏

وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك من غير موافقة في بعض الأعمال أو كلها لا ينفع

وقال الفضيل في بعض كلامه‏:‏ هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي غيظ كظمته بأي رحم قاطع وصلتها بأي زلة لأخيك غفرتها بأي بعيد قاربته في الله

وقال رجل لمحمد بن واسع‏:‏ إني لأحبك في الله فقال‏:‏ أحبك الذي أحببتني له‏.‏
ثم حول وجهه وقال‏:‏ اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض‏.‏

وكان مالك بن دينار يقول‏:‏ لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أجناس الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة قال فرأى يوماً غراباً مع حمامة فعجب من ذلك فقال‏:‏ اتفقا وليسا من شكل واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال‏:‏ من ههنا اتفقا

وقال سعيد بن المسيب ‏:‏ عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء

وأما حسن الخلق فقد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة قال‏:‏ يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤنة مانك اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك اصحب من إذا قلت صدق قولك وإن حاولتما أمراً أمرك وإن تنازعتما آثرك

وقال بعض الأدباء‏:‏ لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك‏.‏

إن أخاك الحق من كان معك ----- ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ------ شتت فيه شمله ليجمعك

وقال بعض العلماء‏:‏ لا تصحب إلا أحد رجلين‏:‏ رجل تتعلم منه شيئاً من أمر دينك فينفعك أو رجل تعلمه شيئاً في أمر دينه فيقبل منك والثالث فاهرب منه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الناس أربعة‏:‏ فواحد حلو كله فلا يشبع منه‏.‏

وآخر مر كله فلا يؤكل منه
وآخر فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك
وآخر فيه ملوحة فخذ منه وقت الحاجة فقط‏.‏

وقال جعفر الصادق رضي الله عنه‏:‏ لا تصحب خمسة‏:‏
الكذاب فإنك منه على غرور وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب والأحمق فإنك لست منه على شيء يريد أن ينفعك فيضرك‏.‏

والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه
والجبان فإنه يسلمك ويفر عند الشدة
والفاسق فإنه يبيعك بأكلة أو أقل منها
فقيل‏:‏ وما أقل منها قال‏:‏ الطمع فيها ثم لا ينالها‏.‏

وقال الجنيد‏:‏ لأن يصحبني فاسق حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني قارئ سيئ الخلق‏.‏

وقال ابن أبي الحواري‏:‏ قال لي أستاذي أبو سليمان‏:‏ يا أحمد لا تصحب إلا أحد رجلين‏:‏ رجلاً ترتفق به في أمر دنياك أو رجلاً تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك والاشتغال بغير هذين حمق كبير‏.‏

وقال سهل بن عبد الله‏:‏ اجتنب صحبة ثلاثة من أصناف الناس‏:‏ الجبابرة الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين‏.‏

الإخوان ثلاثة‏:‏ أخ لآخرتك وأخ لدنياك وأخ لتأنس به‏.‏

وقال المأمون‏:‏ الإخوان ثلاثة‏:‏ أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت والثلث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط‏:‏ ولكن العبد قد يبتلي به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع‏.‏

قال علي :‏ أحيوا الطاعات بمجالسة من يستحيا منه‏.‏

وقال أحمد بن حنبل رحمه الله‏:‏ ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشمه‏.‏

وقال لقمان يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل القطر‏.‏

قال ميمون بن مهران‏:‏ من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل القبور‏.‏

روي أن عتبة الغلام جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فأعرض عنه وقال آثرت الدنيا على الله أما استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا

وجاء فتحي الموصلي إلى منزل لأخ له وكان غائباً فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته فأخبرت الجارية مولاها فقال‏:‏ إن صدقت فأنت حرة لوجه الله سروراً بما فعل‏.‏
وجاء رجل إلى أبو هريرة رضي الله عنه وقال‏:‏ إني أريد أن أؤاخيك في الله فقال‏:‏ أتدري ما حق الإخاء قال‏:‏ عرفني قال‏:‏ أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني قال‏:‏ لم أبلغ هذه المنزلة بعد فاذهب عني‏.‏

وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل‏:‏ هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه قال‏:‏ لا قال‏:‏ فلستم بإخوان‏.‏

ودخل قوم على الحسن رضي الله عنه فقالوا‏:‏ يا أبا سعيد أصليت قال‏:‏ نعم قالوا‏:‏ فإن أهل السوق لم يصلوا بعد قال‏:‏ ومن يأخذ دينه من أهل السوق بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم‏!‏ قاله كالمتعجب منه‏.‏

وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض لإخوانه كبيرة فجاء بهدية فقال‏:‏ ما هذا قال‏:‏ لما أسديته غلي فقال‏:‏ خذ مالك عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى‏.‏

قال ميمون بن مهران‏:‏ من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته‏.‏
كان الحسن يقول‏:‏ إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا و إخواننا يذكروننا بالآخرة‏.‏

وقال الشعبي في الرجل يجالس الرجل فيقول أعرف وجهه ولا أعرف اسمه‏:‏ تلك معرفة النوكي‏.‏ (الحمقى )

وقال سعيد بن العاص‏:‏ لجليسي علي ثلاث‏:‏ إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له‏.‏

قال ابن المبارك‏:‏ المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات‏.‏

قال عيسى عليه السلام للحواريين‏:‏ كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً وقد كشف الريح ثوبه عنه قالوا‏:‏ نستره ونغطيه قال‏:‏ بل تكشفون عورته قالوا‏:‏ سبحان الله من يفعل هذا فقال‏:‏ أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها‏.‏

قيل لبعض الأدباء‏:‏ كيف حفظك للسر قال‏:‏ أنا أقبره‏.‏
و قيل‏:‏ صدور الأحرار قبور الأسرار‏.‏

وكان أبو سعيد الثوري يقول‏:‏ إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك فإن قال خيراً وكتم سرك فاصحبه‏.‏

وقيل لأبي يزيد‏:‏ من تصحب من الناس قال‏:‏ من يعلم منك ما يعلم الله ثم يستر عليك كما يستره الله‏.‏

وقال ذو النون‏:‏ لا خير في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوماً ومن أفشى السر عند الغضب فهو اللئيم لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها‏.‏

وقد قال بعض الحكماء‏:‏ لا تصحب من يتغير عليك عند أربع‏:‏ عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه‏.‏

وقال العباس لابنه عبد الله‏:‏ إني أرى هذا الرجل‏-‏ يعني عمر -رضي الله عنه‏.‏ يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمساً‏:‏
لا تفشين له سراً ولا تغتابن عنده أحداً ولا تجرين عليه كذباً ولا تعصين له أمراً ولا يطلعن منك على خيانة فقال الشعبي‏:‏ كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ لا تمار سفيهاً فيؤذيك ولا حليماً فيقليك‏.‏

قال عمر رضي الله عنه‏:‏ ثلاث يصفين لك ود أخيك‏:‏ أن تسلم عليه إذا لقيته أولاً وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه‏.‏

قال علي رضي الله عنه‏:‏ من لم يحمد أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة‏.‏

وقال الشافعي رضي الله عنه‏:‏ من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه‏.‏

قال ذو النون‏:‏ لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع النفس إلا بالمخالفة ولا مع الشيطان إلا بالعداوة‏.

وفي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه وقال‏:‏ ما فعل أخي قال‏:‏ ذلك أخو الشيطان قال‏:‏ مه قال‏:‏ إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر‏.‏
قال‏:‏ إذا أردت الخروج فآذني فكتب عند خروجه إليه ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏‏:‏ ‏"‏ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ‏"‏ الآية ثم عاتبه تحت ذلك وعذله‏.‏
فلما قرأ الكتاب بكى وقال‏:‏ صدق الله ونصح لي عمر فتاب ورجع‏.‏

وكذلك حكي عن أخوين انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه‏:‏ ألا تقطعه وتهجره فقال‏:‏ أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه‏.‏

قال جعفر بن سليمان‏:‏ مهما فترت في العمل نظرت إلى محمد بن واسع وإقباله على الطاعة فيرجع إلي نشاطي في العبادة وفارقني الكسل وعملت عليه أسبوعاً

وإلى هذا أشار أبو الدرداء لما قيل له‏:‏ ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا فقال‏:‏ إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة‏.‏

ولذلك قيل لحكيم‏:‏ أيما احب إليك أخوك أو صديقك فقال‏:‏ إنما أحب أخي إذا كان صديقاً لي‏.‏

وكان الحسن يقول‏:‏ كم من أخ لم تلده أمك ولذلك قيل‏:‏ القرابة تحتاج إلى مودة والمودة لا تحتاج إلى قرابة وقال جعفر الصادق رضي الله عنه‏:‏ مودة يوم صلة ومودة شهر قرابة ومودة سنة رحم مائية من قطعها قطعه الله‏.‏

وقال بعض السلف في ستر زلات الإخوان‏:‏ ود الشيطان أن يلقى على أخيكم مثل هذا حتى تهجروه وتقطعوه فماذا اتقيتم من محبة عدوكم‏.‏

وقال الشافعي رحمه الله‏:‏ من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان

وقال بعضهم‏:‏ الصبر على الأخ خير من معاتبته والمعاتبة خير من القطيعة‏.‏

وكان أبو الدرداء يقول‏:‏ إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسيمهم بأسمائهم‏.‏

وكان بشر يقول‏:‏ إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه‏.‏
وذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم وعون على الدين‏

وأوصى بعض السلف ابنه فقال‏:‏ يا بني لا يصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك‏.‏

كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه ويقول‏:‏ ما يقيمني بمصر غيره فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال‏:‏

مرض الحبيب فعدته ****** فمرضت من حذري عليه

وأتى الحبيب يعودني ****** فبرئت من نظري إليه

قال الشافعي رحمه الله‏:‏ إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك‏.‏

وقال علي :‏ شر الأصدقاء من تكلف لك ومن أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه‏.‏

وقيل لبعضهم‏:‏ من نصحب قال‏:‏ من يرفع عنك ثقل التكلف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ‏.‏

وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول‏:‏ أثقل أخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ومع العارفين كيف شئت

وقال بعضهم‏:‏ إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده ودخل الخلاء وصلى‏.‏ ونام‏.

‏ وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم لصاحبه‏:‏ مرحباً وأهلاً وسهلاً أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا ولك عندنا سهولة في ذلك كله أي لا يشتد علينا شيء مما تريد‏.‏‏

محمد كياد المجلاد
07-03-2010, 10:37 AM
جمع رائع ومجهود طيب بارك الله فيك اخي حسين

علي القرعاني
07-05-2010, 10:30 AM
بارك الله فيك يا شيخ حسين، وأثابك..

حسين عامر
12-16-2010, 11:24 PM
كتاب آداب العزلة
قال الفضيل‏:‏ كفى بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً‏.‏
وقيل‏:‏ اتخذ الله صاحباً ودع الناس جانباً‏.‏
وقال رجل لسهل‏:‏ أريد أن اصحبك فقال‏:‏ إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر قال‏:‏ الله قال‏:‏ فليصحبه الآن‏.‏

وقيل لبعضهم‏:‏ ما أصبرك على الوحدة‏!‏ فقال‏:‏ ما أنا وحدي أنا جليس اللّه تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت‏.‏

وقيل‏:‏ بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيان فقال له أويس‏:‏ ما جاء بك قال‏:‏ جئت لآنس بك فقال أويس‏:‏ ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره

وقال الفضيل‏:‏ إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت به وقلت أخلو بربي وإذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي‏.‏

وقال عبد اللّه بن زيد‏:‏ طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة قيل له‏:‏ وكيف ذلك قال‏:‏ يناجي اللّه في الدنيا ويجاوره في الآخرة‏.‏

وقال ذو النون المصري‏:‏ سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه‏.‏

وكان أبا الدرداء إذا قيل له‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت بخير إن نجوت من النار‏.

وقيل لبعض الحكماء‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي لربي‏.‏

وقيل لحكيم‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوه إبليس‏.‏

وقيل لمحمد بن واسع‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة‏.‏

وقيل لحامد اللفاف‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ قال أصبحت أشتهي عافية يوم الى الليل فقيل له‏:‏ ألست في عافية في كل الأيام فقال‏:‏ العافية يوم لا أعصى اللّه تعالى فيه‏.‏

وقيل لرجل وهو يجود بنفسه‏:‏ ما حالك فقال‏:‏ وما حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد ويدخل قبراً موحشاً بلا مؤنس وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة‏.‏

وقال سعد - لما دعي الى الخروج أيام معاوية - لا‏إلا أن تعطوني سيفاً له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه وقال‏:‏ مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق فالتبس عليهم فقال بعضهم الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال بعضهم ذات الشمال فأخذوا فيها
فتاهوا وضلوا وأناخ آخرون وتوقفوا حتى ذهبت الريح وتبينت الطريق فسافروا‏.‏

وقال أبو الدرداء‏:‏ كان الناس ورقا لا شوك فيه فالناس اليوم شوكا لا ورق فيه‏.‏

حسين عامر
12-16-2010, 11:28 PM
كتاب آداب السفر
السفر وسيلة إلى الخلاص عن مهروب عنه أو الوصول إلى مطلوب ومرغوب فيه‏.‏

وقال الشعبى‏:‏ لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمه تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا‏.‏

ورحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة فساروا شهرا في حديث بلغهم عن عبد الله أنيس الأنصاري يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه
وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال ، وإنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق‏.


‏ ولذلك قال عمر رضى الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود‏:‏ هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه‏:‏ لا فقال‏:‏ ما أراك تعرفه .

وكان بشر يقول‏:‏ يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا طال مقامه في موضع تغير‏.

قال ابن عمر رضي اللّه عنهما من كرم الرجل طيب زاده في سفره‏.‏

ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق في السفر فإنه يخرج خبايا الباطن‏.‏

ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر‏، وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في السفر‏.‏

ولذلك قيل‏:‏ إذا أثني على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه‏.‏

والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه في الضجر فهو لحسن الخلق وإلا فعند مساعدة الأمور على وفق الغرض قلما يظهر سوء الخلق‏.‏

وقد قيل ثلاثة لا يلامون على الضجر‏:‏ الصائم والمريض والمسافر

حسين عامر
12-16-2010, 11:34 PM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال أبو الدرداء رضي الله عنه‏:‏ لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم‏.‏

وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال‏:‏ الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه‏.‏

وقال بلال بن سعد‏:‏ إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة

وقال سعيد بن جبير‏:‏ إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء

وخطب مروان بن الحكم قبل صلاة العيد فقال له رجل‏:‏ إنما الخطبة بعد الصلاة فقال له مروان‏:‏ اترك ذلك يا فلان فقال أبو سعيد‏:‏ أما هذا فقد قضى ما عليه‏.‏


أرى الدنيا لمن هي في يديه ***** هموماً كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ***** وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه **** وخذ ما أنت محتاج إليه

وتسلق عمر رضي الله عنه دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه‏.‏

فقال وما هي فقال قد قال تعالى ‏"‏ ولا تجسسوا ‏"‏ وقد تجسست‏.‏

وقال تعالى ‏"‏ وأتوا البيوت من أبوابها ‏"‏ وقد تسورت من السطح وقال‏:‏ ‏"‏ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ‏"‏ وما سلمت‏.‏

فتركه عمر وشرط عليه التوبة‏.‏

وعظ المأمون واعظ وعنف له في القول فقال‏:‏ يا رجل ارفق فقد بعثت الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ‏"‏ فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم‏.‏

وعن الأصمعي قال‏:‏ دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجة في خلافته فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال له‏:‏ يا أبا محمد ما حاجتك فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين وتفقد

أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم‏.‏

فقال له‏:‏ أجل أفعل ثم نهض وقام‏.‏

فقبض عليه عبد الملك فقال‏:‏ يا أبا محمد إنما سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها فما حاجتك أنت فقال‏:‏ مالي إلى مخلوق حاجة‏.‏

ثم خرج فقال عبد الملك‏:‏ هذا وأبيك الشرف‏!‏

وحكى أن حطيطاً الزيات جيء به إلى الحجاج فلما دخل عليه قال‏:‏ أنت حطيط قال‏:‏ نعم سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال‏:‏ إن سئلت لأصدقن وإن ابتليت لأصبرن وإن عوفيت لأشكرن‏.‏

قال‏:‏ فما تقول في قال‏:‏ أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة‏.‏

قال‏:‏ فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قال‏:‏ أقول إنه أعظم جرماً منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه‏.‏

قال‏:‏ فقال الحجاج ضعوا عليه العذاب‏.‏

قال‏:‏ فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئاً‏.‏

قال‏:‏ فقيل للحجاج إنه في آخر رمق فقال‏:‏ أخرجوه فارموا به في السوق‏.‏

قال جعفر‏:‏ فأتيته أنا وصاحب له فقلنا له‏:‏ حطيط ألك حاجة قال‏:‏ شربة ماء فأتوه بشربة ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمة الله عليه‏.‏

وروى أن عمر بن هبيرة خلا بالشعبي والحسن‏‏ ، فأقبل على الشعبي فقال‏:‏ يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرده عليهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك النحو فيكتب إلى أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة‏.‏

فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت قال الشعبي‏.‏

فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطئ ويصيب قال‏.‏

فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر على وجهه وقال فلله الحمد

ثم أقبل على الحسن فقال‏:‏ ما تقول يا أبا سعيد ؟
قال‏:‏ قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن

تحوطهم بالنصيحة وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة ‏"‏
ويقول‏:‏ إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وأن يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو فيكتب إلى أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل فإن وجدته موافقاً لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه
يا ابن هبيرة اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك
يا ابن هبيرة إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا طاعة في معصية الله وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين‏.‏

فقال ابن هبيرة‏:‏ أربع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته‏.‏

فقال الحسن‏:‏ يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد يا ابن هبيرة‏:‏ إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقي رجلاً يغريك ويمنيك‏.‏

فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه‏.‏

حسين عامر
04-27-2011, 12:29 AM
روي أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له‏:‏ يا إبليس ما هذه المعاليق قال‏:‏ هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم فقال‏:‏ فهل فيها من شيء قال‏:‏ ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال‏:‏ فهل غير ذلك قال‏:‏ لا ‏"‏ قال لله على أن لا أملأ بطني من الطعام أبداً فقال له إبليس‏:‏ والله على أن لا أنصح مسلماً أبداً‏.‏

ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة
أولها‏:‏ أن يذهب خوف الله من قلبه‏.‏

الثاني‏:‏ أن يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع‏.‏

والثالث‏:‏ أنه يثقل عن الطاعة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة

والخامس‏:‏ أنه إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس‏.‏

والسادس‏:‏ أن يهيج فيه الأمراض‏.‏

قال أبو هريرة‏:‏ التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن‏:‏ مالك مهزول قال‏:‏ أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعاً وإذا شرب سمى الله فأظل عطشاناً وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا وإذا ادهن سمى الله فأظل شعثاً فقال‏:‏ لكني مع رجل لا يفعل شيئاً من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه‏.‏

وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح‏:‏ اللهم إنك سلطت علينا عدواً بصيراً بعيوننا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك وقنطه منا كما قنطته من عفوك وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شيء قدير‏.‏

قال‏:‏ فتمثل له إبليس يوماً في طريق المسجد فقال له‏:‏ يا ابن واسع هل تعرفني قال‏:‏ ومن أنت قال‏:‏ أنا إبليس فقال‏:‏ وما تريد قال‏:‏ أريد أن لا تعلم أحد هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك قال‏:‏ والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت‏.‏

قال وهب بن منبه‏:‏ اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر أي أنت مطيع له‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه‏.‏

قيل لإبراهيم بن أدهم‏:‏
ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى ‏"‏ ادعوني أستجب لكم ‏"‏
قال‏:‏ لأن قلوبكم ميتة قيل وما الذي أماتها قال‏:‏
ثمان خصال
عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه
وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده
وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته
وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له
وقال تعالى ‏"‏ إن الشيطان لكم عدواً فاتخذوه عدواً ‏"‏ فواطأتموه على المعاصي
وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها
وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها
وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم

وقال وهيب بن الورد‏:‏ بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام وقال‏:‏ إني أريد أن أنصحك قال‏:‏ لا حاجة لي في نصحك ولكن أخبرني عن بني آدم قال‏:‏ هم عندنا ثلاثة أصناف‏:‏ أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن منه في عناء‏.‏

وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد كفونا أنفسهم‏.‏

وأما الصنف الثالث فهم مثلك معصمون لا نقدر منهم على شيء‏.‏

حسين عامر
04-27-2011, 12:31 AM
بيان فوائد الجوع وآفات الشبع
قال عمر رضي الله عنه‏:‏ إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة نتن في الممات‏.‏

وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة‏.‏

قيل ليوسف عليه السلام‏:‏ لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض فقال‏:‏ أخاف أن أشبع فأنسى الجائع‏.‏

وكان إبراهيم ابن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقول إنها غالية فيقول‏:‏ أرخصوها بالترك‏.‏

ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم وقال‏:‏ خذ لنا بهذه الدراهم زبداً وعسلاً وخبزاً حوار يا فقيل‏:‏ يا أبا إسحاق بهذا كله قال ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال‏.‏


بيان فضيلة من يخالف شهوة الفرج والعين

قال سعيد بن المسيب ما أيس إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء

وقال سعيد أيضاً - وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى - ما شيء أخوف عندي من النساء

وعن عبد الله بن أبي وداعة قال‏:‏ كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدني أياماً فلما أتيته قال أين كنت قلت‏:‏ توفيت أهلي فاشتغلت بها فقال‏:‏ هلا أخبرتنا فشهدناها

قال‏:‏ ثم أردت أن أقوم فقال‏:‏ هل استحدثت امرأة ؟
فقلت‏:‏ يرحمك الله تعالى ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة

فقال‏:‏ أنا فقلت‏:‏ وتفعل
قال‏:‏ نعم
فحمد الله تعالى وصلى النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين - أو قال ثلاثة -
قال‏:‏ فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي فأسرجت وكنت صائماً فقدمت عشائي لأفطر - وكان خبزاً وزيتاً - وإذا بابي يقرع فقلت‏:‏ من هذا قال‏:‏ سعيد قال‏:‏ فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب - وذلك أنه لم ير أربعين سنة إلا بين داره والمسجد -

قال‏:‏ فخرجت إليه فإذا به سعيد بن المسيب فظنت أنه قد بدا له فقلت‏:‏ يا أبا محمد لو أرسلت إلي لأتيتك فقال‏:‏ لا أنت أحق أن تؤتى قلت‏:‏ فما تأمر قال‏:‏ إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك وهذه امرأتك وإذا هي قائمة خلفه في طوله في أخذ بيدها فدفعها في الباب ورده فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه

ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاءوني وقالوا‏:‏ ما شأنك قتل‏:‏ ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها الليلة على غفلة

فقالوا‏:‏ أو سعيد زوجك قلت‏:‏ نعم قالوا وهي في الدار قلت‏:‏ نعم فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت‏:‏ وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام قال‏:‏ فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحق الزوج

قال عبد الله بن سليمان‏:‏ وكانت بنت سعيد بن المسيب هذه قد خطبها منه عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف‏.‏

وروي أن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجهاً فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه ، فامتنع عليها وخرج هارباً من منزله وتركها فيه‏.‏

قال سليمان‏:‏ فرأيت تلك الليلة في المنام يوسف عليه السلام وكأني أقول له أنت يوسف قال‏:‏ نعم أنا يوسف .
وعنه أيضاً ما هو أعجب من هذا‏:
وذلك أنه خرج من المدينة حاجاً ومعه رفيق له حتى نزلا بالأبواء فقام رفيقه وأخذ السفرة وانطلق إلى السوق ليبتاع شيئاً وجلس سليمان في الخيمة وكان من أجمل الناس وجهاً وأورعهم فبصرت به أعرابية من قلة الجبل وانحدرت إليه حتى وقفت بين يديه - وعليها البرقع والقفازان - فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر وقالت أهنئني فظن أنها تريد طعاماً فقام إلى فضلة السفرة ليعطيها فقالت‏:‏ لست أريد هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله فقال‏:‏ جهزك إبليس ثم وضع رأسه بين ركبتيه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكي فلما رأت منه ذلك سدلت البرقع على وجهها وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها‏.‏

وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من البكاء وانقطع حلقه فقال ما يبكيك قال‏:‏ خير ذكرت صبيتي‏.‏

قال‏:‏ لا والله إلا أن لك قصة إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها فلم يزل به حتى أخبره خبر الأعرابية فوضع رفيقه السفرة وجعل يبكي بكاء شديداً فقال سليمان‏:‏ وأنت ما يبكيك قال‏:‏ أنا أحق بالبكاء منك لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها فلم يزالا يبكيان فلما انتهى سليمان إلى مكة فسعى وطاف ثم أتى الحجر فاحتبى بثوبه فأخذته عينه فنام وإذا رجل وسيم طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة فقال له سليمان‏:‏ رحمك الله من أنت قال له‏:‏ أنا يوسف قال‏:‏ يوسف الصديق قال‏:‏ نعم قال‏:‏ إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا‏!‏ فقال له يوسف‏:‏ شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب‏.‏

حسين عامر
04-27-2011, 12:33 AM
بيان عظيم خطر اللسان وفضيلة الصمت

رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو يمد لسانه بيده فقال له‏:‏ ما تصنع يا خليفة رسول الله قال هذا أوردني الموارد

وقال سليمان بن داود عليهما السلام‏:‏ إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب‏.‏

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام وكان يشير إلى لسانه ويقول‏:‏ هذا الذي أوردني الموارد‏.‏

وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان‏.‏

وعن ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول‏:‏ يا لسان قل خيراً تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل له يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال‏:‏ لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه

وقال طاوس‏:‏ لساني سبع إن أرسلته أكلني‏.‏

وقال وهب بن منبه‏:‏ في حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه حافظاً للسانه مقبلاً على شأنه‏.‏

وقال الحسن‏:‏ ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ كتب إلينا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أما بعد‏:‏ فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه‏.‏

وقيل‏:‏ ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاساً وقلماً فكل ما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء‏.‏

وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه‏:‏ من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل‏.‏

وقال مسلم بن يسار‏:‏ إياكم والمراء فإنه ساعة جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته‏.‏

وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك

وقال بلال بن سعد‏:‏ إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته‏.‏

وقال ابن أبي ليلى‏:‏ لا أماري صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه‏.‏

وقال عمر رضي الله عنه البر شيء هين وجه طليق وكلام لين‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلاً فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين‏.‏

قال علي رضي الله عنه‏:‏ أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه‏:‏ ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري‏.‏

وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسماً فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقاً فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه

وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له‏:‏ كذبت فقال عمر‏:‏ والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه‏.‏


بيان الحذر من الكذب بالمعاريض

قد نقل عن السلف أن في المعاريض مندوحة عن الكذب قال عمر رضي الله عنه‏:‏ أما في المعاريض ما يكفي الرجال عن الكذب وروى ذلك عن ابن عباس وغيره‏.‏

وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعويض ولا التصريح جميعاً ولكن التعويض أهون‏.‏

ومثال التعويض ما روى أن مطرفاً دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال‏:‏ ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله‏.‏

وقال إبراهيم‏:‏ إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل‏:‏ إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء‏.‏

فيكون قوله ‏"‏ ما ‏"‏ حرف نفي عند المستمع وعنده الإبهام‏.‏

وكان معاذ بن جبل عاملاً لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت له امرأته ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها بشيء‏.‏

فقال‏:‏ كان عندي ضاغط قالت‏:‏ كنت أميناً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر رضي الله عنه‏.‏

فبعث عمر معك ضاغطاً وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذاً وقال‏:‏ بعثت معك ضاغطاً قال‏:‏ لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضي الله عنه وأعطاه شيئاً فقال‏.‏

أرضها به - ومعنى قوله ضاغطاً يعني رقيباً وأراد به الله تعالى -

وكان النخعي لا يقول لابنته‏:‏ أشتري لك سكراً بل يقول‏:‏ أرأيت لو اشتريت لك سكراً فإنه ربما لا يتفق له ذلك‏.‏

وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية‏:‏ قولي له أطلبه في المسجد ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذباً‏.‏

وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة وقال للجارية‏:‏ ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا‏.‏

وهذا كله في موضع الحاجة فأما في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذباً فهو مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال‏:‏ دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فخرجت وعلى ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيراً فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريراً لهم عن ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه‏.‏

حسين عامر
04-27-2011, 11:45 PM
الغيبة
قال بعضهم‏:‏ أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا فيالصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ إذا أردت ان تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك‏.‏

وقال أبو هريرة يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عيننفسه‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ مر عيسى عليه السلام ومعه الحواريون بجيفةكلب فقال الحواريون‏:‏ ما أنتن ريح هذا الكلب‏!‏ فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ماأشد بياض أسنانه‏!‏
وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء وإياكموذكر الناس فإنه داء‏.‏
وقال الحسن ذكر الغير ثلاثة الغيبة والبهتان والإفك وكل في كتاب الله عز وجلفالغيبة أن تقول ما فيه والبهتان أن تقول ما ليس فيه والإفك أن تقول ما بلغك
وقال رجل لحكيم ياقبيح الوجه فقال :ما كان خلق وجهي إلى فأحسنه!!!

وقال عمر رضي الله عنه ليس لفاجر حرمة


وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر إذالمستتر لا بد من مراعاة حرمته‏.‏





وقال الصلت بن طريف‏:‏ قلت للحسن‏:‏ الرجل الفاسق المعلن بفجورهذكرى له بما فيه غيبة له قال‏:‏ لا ولا كرامة‏.‏
وقال الحسن‏:‏ ثلاثة لا غيبة لهم صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقهوالإمام الجائر


النميمة :
روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئاً فقالله عمر‏:‏ إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية ‏"‏ إن جاءكمفاسق بنبأ فتبينوا ‏"‏ وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية ‏"‏ هماز مشاء بنميم‏"‏ وإن شئت عفونا عنك فقال‏:‏ العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً‏.‏

وذكر أن حكيماً من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعضأصدقائه فقال له الحكيم‏:‏ قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات بغضت أخي إليوشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة‏.‏
وروي أن سليمان بن عبد الملك كان جالساً وعنده الزهري فجاءه رجلفقال له سليمان‏:‏ بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل‏:‏ ما فعلت ولا قلتفقال سليمان‏:‏ إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري‏:‏ لا يكون النمام صادقاً فقالسليمان‏:‏ صدقت ثم قال للرجل‏:‏ اذهب بسلام‏.‏
وقال الحسن من نم إليك نم عليك‏.‏
وروي عن علي رضي الله عنه أن رجلاً سعى إليه برجل فقال له‏:‏ يا هذانحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقاً مقتناك وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن شئت نقيلكأقلناك فقال‏:‏ أقلني يا أمير المؤمنين‏.‏
وقيل لمحمد بن كعب القرظي أي خصال المؤمن أوضع له فقال‏:‏ كثرةالكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد‏.‏
وقال رجل لعبد الله ابن عامر - وكان أميراً - بلغني أن فلاناً أعلمالأمير أني ذكرته بسوء قال‏:‏ قد كان ذلك قال‏:‏ فأخبرني بما قال لك حتى أظهر كذبهعندك قال‏:‏ ما أحب أن أشتم نفسي بلساني وحسبي أني لم أصدقه فيما قال ولا أقطع عنكالوصال‏.‏
وقال رجل لعمرو بن عبيد‏:‏ إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر فقال له عمرو‏:‏يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي حين أعلمتني عنأخي ما أكره ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالىيحكم بيننا وهو خير الحاكمين‏.‏
ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيميجمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها‏:‏ السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنتأجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها افضل من الربح ومعاذ الله أن نقبل مهتوكاً فيمستور
وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بهن لم تزل سيداًابسط خلقك للقريب والبعيد‏ ،‏وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم ، وليكن إخوانك من إذا فارقتهموفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك‏.‏
قال حماد بن سلمة‏:‏ باع رجل عبداً وقال للمشتري ما فيه عيب إلاالنميمة قال‏:‏ رضيت فاشتراه فمكث الغلام أياماً ثم قال زوجة مولاه‏:‏ إن سيدي لايحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذي المؤسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتىأسحره عليها فيحبك ثم قال للزوج‏:‏ إن امرأتك اتخذت خليلاً وتريد أن تقتلك فتناوملهام حتى تعرف ذلك فتناوم لها فجاءت المرأى بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليهافقتلها‏.‏
فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين‏.‏

حسين عامر
04-28-2011, 06:10 PM
(المدح) سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يثني على رجل فقال‏:‏ أسافرت معه قال‏:‏لا قال‏:‏ أخالطته في المبايعة والمعاملة قال‏:‏ لا‏.‏
قال‏:‏ فأنت جاره صباحه ومساءه؟ قال لا
فقال والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه
وقال عمر المدح هو الذبح
وأثنى على رجل من الصالحين فقال‏:‏ اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنتتعرفني‏.‏
وقال آخر لما أثنى عليه‏:‏ اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأناأشهدك على مقته‏.‏
وقال علي رضي الله عنه لما أثنى عليه‏:‏ اللهم اغفر لي ما لا يعلمونولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيراً مما يظنون‏.‏( والمشهور نسبتها إلى أبي بكر والله أعلم)
وأثنى رجل على عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ أتهلكني وتهلك نفسك
وأثنى رجل على علي –وكان قد بلغه أنه يقع فيه – فقال أنا دون ماقلت وأفضل مما في نفسك

حسين عامر
04-28-2011, 06:12 PM
الغضب
قال عبد الله بن مسعود‏:‏ انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وماعلمك بحلمه إذا لم يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع
وقال علي بن يزيد‏:‏ أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناًطويلاً ثم قال‏:‏ أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تنالهمني غداً
كما أن سلمان لما شتم قال‏:‏ إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لميضرني ما تقول‏.‏
فقد كان همه مصروفاً إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم‏.‏
وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال‏:‏ يا هذا قد سمع الله كلامك وإن دونالجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول .
وسب رجل أبابكر رضي الله عنه فقال‏:‏ ما ستر الله عنك أكثر
فكأنه كان مشغولاً بالنظر في تقصيرنفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلىنقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة قدره‏.‏
وقالت امرأة لمالك بن دينار‏:‏ يا مرائي فقال‏:‏ ما عرفني غيرك‏!‏
فكأنه كان مشغولاً بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء ومنكراً على نفسه ما يلقيه الشيطانإليه فلم يغضب لما نسب إليه‏.‏
وسب رجل الشعبي فقال‏:‏ إن كنت صادقاً فغفر الله لي وإن كنت كاذباًفغفر الله لك‏.‏
وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة ولا تشف غيظكبفضيحتك واعرف قدرك تنفعك معيشتك‏.‏
وقال أيوب‏:‏ حلم ساعة يدفع شراً كثيراً‏.‏
وقال رجل لعمر رضي الله عنه‏:‏ والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزلفغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه‏.‏
فقال له رجل‏:
يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول ‏"‏ خذ العفو أمربالعرف وأعرض عن الجاهلين ‏"‏ فهذا من الجاهلين فقال عمر‏:‏ صدقت فكأنما كانت ناراًفأطفئت‏.‏
وقال محمد بن كعب‏:‏ ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله إذا رضيلم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليسله‏.‏
وجاء رجل إلى سلمان فقال‏:‏ يا عبد الله أوصني قال‏:‏ لا تغضب قاللا أقدر قال‏:‏ فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك‏.‏

حسين عامر
04-28-2011, 06:13 PM
فضيلة الحلم قال عمر رضي الله عنه‏:‏ تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم‏.‏
وقال علي رضي الله عنه‏:‏ ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخيرأن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن لا تباهي الناس بعبادة الله وإذا أحسنت حمدت اللهتعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى‏.‏
وقال الحسن‏:‏ اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم‏.‏
وقال أكثم بن صيفي‏:‏ دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر‏.‏
وقال أبو الدرداء‏:‏ أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكاً لاورق فيه إن عرفتهم نقدوك وإن تركتهم لم يتركوك قالوا‏:‏ كيف نصنع قال‏:‏ تقرضهم عنعرضك ليوم فقرك‏.‏
وقال علي رضي الله عنه‏:‏ إن أول ما عوض الحليم عن حلمه جهله وصبرهوشهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية لعمرو بن الأهتم‏:‏ أي الرجال أشجعقال‏:‏ من رد جهله بحلمه‏.‏
قال‏:‏ أي الرجال أسخى قال‏:‏ من بذل دنياه لصلاح دينه‏.‏
وقال أنس بن مالك في قوله تعالى ‏"‏ فإذا الذي بينك وبينه عداوةكأنه ولي حميم ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ عظيم ‏"‏ هو الرجل يشتمه أخوه فيقول‏:‏ إن كنتكاذباً فغفر الله لك وإن كنت صادقاً فغفر الله لي‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ شتمت فلاناً من أهل البصرة فحلم علي فاستعبدني بهازماناً‏.‏
وقال معاوية لعرابة بن أوس‏:‏ بم سدت قومك يا عرابة قال‏:‏ يا أميرالمؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم‏.‏
فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأناخير منه‏.‏
وسب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال‏:‏ يا عكرمة هل للرجلحاجة فنقضيها فنكس الرجل رأسه واستحى‏.‏
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز‏:‏ أشهد أنك من الفاسقين فقال‏:‏ ليستقبل شهادتك‏.‏
وعن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أنه سبه رجل فرمى إليهبخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم
فقال بعضهم‏:‏ جمع له خمس خصال محمودة‏:‏ الحلموإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعد من الله عز وجل وحمله على الندم والتوبة ورجوعهإلى مدح بعد الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير
وقال رجل لجعفر بن محمد إنهقد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن يقال لي‏:‏ إنتركك له ذل فقال جعفر‏:‏ إنما الذليل الظالم‏.‏
وقال الخليل بن أحمد‏:‏ كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل لهحاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته ‏.‏
وقال رجل لمالك بن دينار‏:‏ بلغني أنك ذكرتني بسوء قال أنت إذن أكرمعلي من نفسي إني إذا فعلت ذلك أهديت لك حسناتي‏.‏
وقال بعض العلماء الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى به‏(يشير إلى اسم الله الحليم).‏
وقال رجل لبعض الحكماء‏:‏ والله لأسبنك سباً يدخل معك في قبركفقال‏:‏ معك يدخل لا معي‏.‏
ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود فقالوا لهشراً فقال لهم خيراً فقيل له‏:‏ إنهم يقولون شراً وأنت تقول خيراً فقال‏:‏ كل ينفقمما عنده‏.‏
وقال لقمان‏:‏ ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة لا يعرف الحليم إلاعند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه‏.‏
وقال محمود الوراق‏:‏
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ** وإن كثرت منه علي الجرائم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره ** وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ** إجابته عرضي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ** تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم

حسين عامر
04-28-2011, 06:15 PM
(الحسد ) قال بعض السلف‏:‏ أول خطيئة هي الحسد حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله على الحسد والمعصية‏.‏
وحكي أن عون بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط فقال‏:‏ إني أريد أن أعظك بشيء فقال‏:‏
وما هو ؟
قال‏:‏ إياك والكبر فإنه أول ذنب عصي الله به ثم قرأ ‏"‏ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ‏"‏ الآية
وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة أمكنه الله سبحانه من جنة عرضها السموات والأرض يأكل منها إلا شجرة واحدة نهاه عنها فأكل منها فأخرجه الله تعالى منها ثم قرأ ‏"‏ اهبطوا منها ‏"‏ إلى آخر الآية
وإياك والحسد فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ ‏"‏ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ‏"‏ الآيات
وإذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك وإذا ذكر القدر فاسكت وإذا ذكرت النجوم فاسكت‏.‏
وقال بكر بن عبد الله‏:‏ كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول‏:‏ أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال‏:‏
إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر(منتن الرائحة ) فقال له الملك‏:‏ وكيف يصح ذلك عندي ؟!!
قال‏:‏ تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر فقال له‏:‏ انصرف حتى أنظر
فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادت فقال‏:‏
أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك‏:
‏ أدن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه‏:‏ ما أرى فلا إلا قد صدق قال‏:‏ وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة
فكتب له كتاباً بخطه إلى عامل من عماله‏:‏
إذا أتاك حامل كتابي فاذبحه واسلخه واحش جلده تبناً وابعث به إلي فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به
فقال‏:‏ ما هذا الكتاب ؟
قال خط الملك لي بصلة
فقال‏:‏ هبه لي‏!‏
فقال‏:‏ هو لك فأخذه ومضى به إلى العامل‏
‏ فقال العامل‏:‏ في كتابك أن أذبحك وأسلخك قال‏:‏ إن الكتاب ليس لي هو لفلان ، فانظرفي أمري حتى تراجع الملك
فقال‏:‏ ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلده تبناً وبعث به ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله فعجب الملك
وقال‏:‏ ما فعل الكتاب فقال‏:‏ لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له
قال له الملك‏:‏ إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال‏:‏ ما قلت ذلك
قال‏:‏ فلم وضعت يدك على فيك قال‏:‏ لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم فكرهت أن تشمه قال‏:‏ صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفى المسيء إساءته‏.‏
وقال ابن سيرين رحمه الله‏:‏ ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار ؟!!!
وقال رجل للحسن‏:‏ هل يحسدالمؤمن قال‏:‏ ما أنساك بني يعقوب نعم ولكن غمه
( اكتمه)في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولا لساناً‏.‏
وقال أبو الدرداء‏:‏ ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده‏!‏
وقال معاوية‏:‏ كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها وكل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال بعض الحكماء‏:‏ الحسد جرح لا يبرأ .‏
وقال أعرابي‏:‏ ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه‏.‏
وقال الحسن‏:‏ يا ابن آدم لم تحسد أخاك فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار ؟!!
وقال بعضهم‏:‏ الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاً ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالاً‏.‏

حسين عامر
05-04-2011, 09:50 PM
(ذم الدنيا ) روي أن سليمان بن داود عليهما السلام مر في موكبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه وشماله قال‏:‏ فمر بعابد من بني إسرائيل فقال والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً
قال‏:‏ فسمع سليمان ذلك فقال‏:‏
لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطى ابن داودن فإن ما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى‏.‏
وروي أن جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام‏:‏ يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا فقال‏:‏ كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر‏.‏
قال علي رضي الله عنه‏:‏ من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلباً ولا عن النار مهرباً :
من عرف الله فأطاعه وعرف الشيطان فعصاه وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتقاه وعرف الدنيا فرفضها وعرف الآخرة فطلبها‏.‏
وقال الحسن‏:‏ رحمه الله أقواماً كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافاً‏.‏
وقال أيضاً رحمه الله‏:‏ من نافسك في دينك فنافسه في دنياك فألقها في نحره‏.‏


وقال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير فلتكن سفينتك فيه تقوى الله عز وجل وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عز وجل لعلك تنجو وما أراك ناجياً‏.‏


وقال الفضيل‏:‏ طالت فكرتي في هذه الآية ‏"‏ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً حرزاً ‏"‏



وقال بعض الحكماء‏:‏ إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك وسيكون له أهل بعدك وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم فلا تهلك في أكله وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار‏.‏
وقال بعض الحكماء‏:‏ كانت الدنيا ولم أكن فيها وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن إليها فإن عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو بلية أو منية قاضية‏.‏
وقال رجل لأبي حازم‏:‏ أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار فقال‏:‏ انظر ما آتاكه الله عز وجل منها فلا تأخذه إلا من حلة ولا تضعه إلى في حقه‏.‏
وقال الفضيل‏:‏ لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفاً يبقى على ذهب يفنى‏.‏
وفي ذلك قيل‏:‏
ومال المال والأهلون إلا ودائع
ولا بد يوماً أن ترد الودائع



وزار رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت‏:‏ اسكتوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها‏،‏فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره‏.‏


وقيل لإبراهيم بن أدهم‏:‏ كيف أنت فقال‏:‏
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا **** فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع



وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعاً‏.‏
وقال ابن عباس‏:‏ إن الله تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء‏:‏ جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر‏:‏
فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع‏.‏


وقال بعضهم‏:‏ الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على معاشرة الكلاب‏.‏


وقال أبو الدرداء‏:‏ من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها‏.‏
وقيل أيضاً‏:‏
يا راقد الليل مسروراً بأوله
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت منعمة
كر الجديدين إقبالاً وإدبارا
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها
يمسي ويصبح في دنياه سفارا
هلا تركت من الدنيا معانقة
حتى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت بغى جنان الخلد تسكنها
فينبغي لك أن لا تأمن النارا



وقال رجل لعلي كرم الله وجهه‏:‏ يا أمير المؤمن صف لنا الدنيا قال‏:‏ وما أصف لك من دار من صح فيها سقم ومن أمن فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها افتتن في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب ومتشابهها العتاب‏.‏
وقيل له ذلك مرة أخرى فقال‏:‏ أطول أم أقصر فقيل‏:‏ قصر فقال‏:‏ حلالها حساب وحرامها عذاب‏.‏
وقال أبو سليمان الداراني‏:‏ إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها فإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة‏.‏
وقال مالك بن دينار‏:‏ بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخر من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك‏.‏


وهذا اقتباس مما قاله علي كرم الله وجهه حيث قال‏:‏ الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى‏.‏


‏ لما قدم عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على الناقة مخطومة بحبل فسلم وسأله ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله فقال له عمر رضي الله عنه‏:‏ لو اتخذت متاعاً فقال‏:‏ يا أمير المؤمن إن هذا يبلغنا المقيل‏.‏


وقال سفيان‏:‏ خذ من الدنيا لبدنك وخذ من الآخرة لقلبك‏.‏


وقال الحسن : بعد أن تلا قولى تعالى ‏"‏ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ‏"‏ من قال ذا قاله من خلقها ومن هو أعلم بها إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب‏.‏


وقال أيضاً‏:‏ مسكين ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله يفرح بمصيبته في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه‏.‏


وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز‏:‏ سلام عليك أما بعد‏:‏ فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات‏.‏


فأجابه عمر‏:‏ سلام عليك كأنك بالدنيا ولم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل‏.‏


وقال بعضهم‏:‏ عجباً لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح وعجباً لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك وعجباً لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن لها



وقال أبو سليمان‏:‏ لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة‏.




وقال مالك بن دينار‏:‏ اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضاً ولا ينهى بعضنا بعضاً ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا



وقال الحسن‏:‏ أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها‏.‏


وقيل لحكيم‏:‏ الدنيا لمن هي قال‏:‏ لمن تركها فقيل الآخرة لمن هي قال‏:‏ لمن طلبها.


وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ إنما الدنيا ستة أشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب وأشرف المشروبات الماء ويستوي فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات المسك وهو دم‏.‏


وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال‏:‏ إنما خلقتم للأبد ولكنكم تنقلون بالموت من دار إلى دار

حسين عامر
05-10-2011, 02:07 AM
(السخاء والإيثار ) السخاء
قال ابن السماك عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه‏.‏
عن محمد بن المنكدر عن أم درة - وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها - قالت إن معاوية بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم ، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس ، فلما أمست قالت يا جارية هلم فطوري فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم درة‏: هلا أبقيت لنا شيئا نفطر عليه ؟!! قالت لو ذكرتيني لفعلت .‏
الإيثار:
خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه ....
فقال يا غلام كم قوتك كل يوم ؟
قال ما رأيت‏!‏
قال فلم آثرت به هذا الكلب ؟
قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت أن أشبع وهو جائع‏!‏
قال فما أنت صانع اليوم ؟
قال‏:‏ أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر أُلام على السخاء‏!‏ إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه‏.‏
وعن أبي الحسن الأنطاكي‏:‏ أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفساً - وكانوا في قرية بقرب الري - ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم ‏"‏ فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه‏.‏
وقال حذيفة العدوي‏:‏ انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول‏:‏ إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت‏:‏ أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول‏:‏ آه‏.‏

فأشار ابن عمي إلى أن أنطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت‏:‏ أسقيك فسمع به آخر فقال‏:‏ آه‏.‏

فأشار هشام انطق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين‏.‏

حسين عامر
05-24-2011, 10:41 PM
(ذم الجاه والرياء )
قال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله‏:‏ ما صدق الله من أحب الشهرة‏.‏
وقال سليم بن حنظلة‏:‏ بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة‏.‏
فقال أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع فقال عمر:‏ إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع
وعن الحسن قال‏:‏ خرج ابن مسعود يوماً من منزله فاتبعه ناس فالتفت إليهم فقال‏:‏ علام تتبعوني فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه باب ما اتبعني منكم رجلان
وخرج أيوب في سفر فشيعه ناس كثيرون فقال‏:‏ لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله عز وجل‏.

ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يطأطئ رقبته فقال‏:‏ يا صاحب الرقبة ارفع ركبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب

وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إلى كان في الناس يزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم‏.‏

وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال‏:‏ إن أحدثنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر فقال له‏:‏ أتحب أن تمقت قال‏:‏ لا قال‏:‏ فإذا عملت لله عملاً فأخلصه‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم فإن الله تعالى لا شريك له‏.‏

وضرب عمر رجلاً بالدرة ثم قال له‏:‏ اقتص مني‏!‏ فقال‏:‏ لا بل أدعها لله ولك‏.‏
فقال له عمر‏:‏ ما صنعت شيئاً إما أن تدعها لي فأعر فذلك أو تدعها لله وحده فقال‏:‏ ودعتها لله وحده فقال‏:‏ فنعم إذن‏.‏

وقال الفضيل بن عياض‏:‏ كانوا يراءون بما يعملون وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون‏.‏

حسين عامر
05-31-2011, 09:33 PM
درر من كتاب إحياء علوم الدين (ذم الكبر والعجب )
يروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز فقال‏:‏ يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله فقال له المهلب‏:‏ أما تعرفني فقال بلى أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرتك جيفة قذرة وأنت بين ذلك تحمل العذرة‏!‏ فمضى المهلب وترك مشيته تلك‏.‏
وعن عمرو بن شيبة قال‏:‏ كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلاً راكباً بغلة وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس قال‏:‏ ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال‏:‏ فجعلت أنظر إليه وأتأمله فقال لي‏:‏ مالك تنظر إلي فقلت له‏:‏ شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة فقال له‏:‏ أنا ذلك الرجل فقلت‏:‏ ما فعل الله بك فقال إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس‏.‏
وكان عطاء السلمي إذا سمع صوت الرعد قام وقعد وأخذه بطنه كأنه امرأة ماخض وقال هذا من أجلي يصيبكم لو مات عطاء لاستراح الناس‏.‏
وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله عنه يوماً فقال سلمان لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ثم آتى الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجدنا الكرم في التقوى والغنى في اليقين والشرف في التواضع‏.‏
قال علي كرم الله وجهه‏:‏ من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام‏.‏
روي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف‏:‏ أقوم إلى المصباح فأصلحه فقال‏:‏ ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه قال‏:‏ أفأنبه الغلام فقال‏:‏ هي أول نومة نامها فقام وأخذ البطة وملأ المصباح زيتاً فقال الضيف‏:‏ قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال‏:‏ ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء‏!‏ وخير الناس من كان عند الله متواضعاً‏.‏
وقال ثابت بن أبي مالك‏:‏ رأيت أبا هريرة أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال‏:‏ أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك‏!‏ وعن الأصبغ بن نبانة قال‏:‏ كأني أنظر إلى عمر رضي الله عنه معلقاً لحماً في يده اليسرى وفي يده اليمنى الدرة يدور في الأسواق حتى دخل رحله‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ رأيت علياً رضي الله عنه قد اشترى لحماً بدرهم فحمله في ملحفته فقلت له : أحمل عنك يا أمير المؤمنين ؟
فقال : لا ؛ أبو العيال أحق أن يحمل

ويروى أنه عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قبل أن يستخلف تشترى له الحلة بألف دينار فيقول‏:‏ ما أجودها لولا خشونة ما فيها‏:‏ فلما استخلف كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول ما أجوده لولا لينه‏!‏ فقيل له‏:‏ أين لباسك ومراكبك وعطرك يا أمير المؤمنين فقال إن لي نفساً ذواقة وإنها لم تذق من الدنيا طبقة إلا تاقت إلى الطبقة التي فوقها حتى إذا ذاقت الخلافة وهي أرفع الطباق تاقت إلى ما عند الله عز وجل‏.‏
قال أنس رحمه الله‏:‏ كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبنا فيقذر إلينا أنفسنا ويقول‏:‏ خرج أحدكم من مجرى البول مرتين‏.‏
ويقول الإمام الغزالي من حق العبد أن لا يتكبر على أحد‏.‏
إن نظر إلى جاهل قال‏:‏ هذا عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم فهو أعذر مني‏.‏
وإن نظر إلى عالم قال‏:‏ هذا قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله وإن نظر إلى كبير هو أكبر منه سناً قال‏:‏ هذا قد أطاع الله قبلي فكيف أكون مثله وإن نظر إلى صغير قال‏:‏ إني عصيت الله قبله فكيف أكون مثله وإن نظر إلى مبتدع أو كافر قال‏:‏ ما يدريني لعله يختم له بالإسلام ويختم لي بما هو عليه الآن فليس دوام الهداية إلي كما لم يكن ابتداؤها إلي

حسين عامر
06-14-2011, 07:14 PM
درر من كتاب إحياء علوم الدين (كتاب الصبر والشكر )
وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري‏:‏
عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ والله ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره

ويقال إن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها‏:‏ أما تجدين الوجع فقالت‏:‏ إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه‏.‏
وقال داود لسليمان عليهما السلام‏:‏ يستدل على تقوى المؤمن بثلاث‏:‏ حسن التوكل فيما لم ينل وحسن الرضا فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد فات‏.‏

كما روي عن الرميصاء أم سليم رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ناحية البيت فقدم أبو طلحة فقمت فهيأت له إفطاره فجعل يأكل فقال‏:‏ كيف الصبي قلت‏:‏ بأحسن حال بحمد الله ومنه فإنه لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته(جامعها)
ثم قلت‏:‏ ألا تعجب من جيراننا‏!‏ قال‏:‏ ما لهم قلت‏:‏ أعيروا عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا فقال‏:‏ بئس ما صنعوا‏!‏ فقلت‏:‏ هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قد قبضه إليه فحمد الله واسترجع ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم بارك لهما في ليلتهما ‏"‏ قال الراوي‏:‏ فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة أفراد كلهم قد قرؤوا القرآن‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ الشكر نصف الإيمان‏.‏

وقد روي أن وفداً قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقام شاب ليتكلم فقال عمر‏:‏ كبر كبر‏!‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك‏!‏ فقال‏:‏ تكلم فقال‏:‏ لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد آمننا منها عدلك وإنما نحن وفد الشكر جئناك نشكرك باللسان وننصرف‏.‏

وقال بعض الحكماء - وقد قيل له ما النعيم ؟
فقال‏:‏ الغنى فإني رأيت الفقير لا عيش له‏.‏
قيل‏:‏ زدنا‏!‏ قال‏:‏ الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له‏.‏
قيل‏:‏ زدنا‏!‏ قال‏:‏ العافية فإني رأيت المريض لا عيش له‏.‏
قيل‏:‏ زدنا‏!‏ قال الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له‏.‏

وقيل‏:‏ طلاقة الوجه عنوان ما في النفس‏.‏

كما شكا بعضهم أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به فقال له‏:‏
أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال‏:‏ لا
فقال‏:‏ أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال‏:‏ لا
فقال‏:‏ أيسرك أن أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفاً؟ فقال‏:‏ لا
فقال‏:‏ أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟
فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفاً‏!‏
وحكي أن بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق ذرعاً فرأى في المنام كأن قائلاً يقول له‏:‏ تود أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألف دينار ؟
قال‏:‏ لا قال‏:‏ فسورة هود قال‏:‏ لا قال‏:‏ فسورة يوسف قال‏:‏ لا فعدد عليه سوراً ثم قال‏:‏ فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه‏.‏
ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وبيده كوز ماء يشربه فقال له‏:‏ عظني‏!‏ فقال‏:‏ لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشاناً فهل كنت تعطيه قال‏:‏ نعم فقال‏:‏ لو لم تعط إلا بملكك فهل كنت تتركه قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فلا تفرح بملك لا يساوي شربة ماء‏.‏

وكان الربيع بن خثيم قد حفر في داره قبراً فكان يضع في عنقه وينام في لحده ثم يقول‏:‏ ‏"‏ رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً ‏"‏ ثم يقوم ويقول‏:‏ يا ربيع قد أعطيت ما سألت فاعمل قبل أن تسأل الرجوع فلا ترد‏.‏

قال رجل لسهل رضي الله تعالى عنه‏:‏ دخل اللص بيتي وأخذ متاعي‏!‏ فقال‏:‏ اشكر الله تعالى لو دخل الشيطان قلبك فأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع ؟!!
ولذلك استعاذ عيسى عليه الصلاة والسلام في دعائه إذ قال‏:‏ اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني‏.‏
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه‏:‏ ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم‏:‏ إذ لم يكن في ديني وإذ لم يكن أعظم منه وإذ لم أحرم الرضا به وإذ أرجو الثواب عليه‏.‏
وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ ألا أخبركم بأرجى آية في القرآن قالوا‏:‏ بلى فقرأ عليهم‏:‏ ‏"‏ وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ‏"‏ فالمصائب في الدنيا بكسب الأوزار فإذا عاقبه الله في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانياً وإن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه يوم القيامة‏.‏

ودخل عمر بن عبد العزيز على ابن له مريض فقال‏:‏ يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك فقال‏:‏ يا أبت لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نعي إليه ابنة له فاسترجع وقال‏:‏ عورة سترها الله ومؤنة كفاها الله وأجر قد ساقه الله تعالى ثم نزل فصلى ركعتين ثم قال‏:‏ قد صنعنا ما أمر الله تعالى قال تعالى‏:‏ ‏"‏ واستعينوا بالصبر والصلاة ‏"‏‏.‏

وعن ابن المبارك أنه مات له ابن فعزاه أحدهم فقال له‏:‏ ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام فقال ابن المبارك‏:‏ اكتبوا عنه هذه‏.‏

وقال حاتم الأصم إن الله عز وجل يحتج يوم القيامة على الخلق بأربعة أنفس على أربعة أجناس‏:‏ على الأغنياء بسليمان وعلى الفقراء بالمسيح وعلى العبيد بيوسف وعلى المرضى بأيوب صلوات الله عليهم‏.‏

حسين عامر
09-09-2011, 08:18 AM
الخوف والرجاء
قال علي كرم الله وجهه من أذنب ذنبا فستره الله عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى أعدل من أن يثنى عقوبته على عبده في الآخرة .
وقال الثوري ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني أعلم أن الله تعالى أرحم بي منهما
وقال إبراهيم الأطروش كنا قعودا ببغداد مع معروف الكرخي على دجلة إذ مر أحداث في زورق يضربون بالدف ويشربون ويلعبون فقالوا لمعروف أما تراهم يعصون الله مجاهرين ادع الله عليهم فرفع يديه وقال إلهى كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة .
فقال القوم إنما سألناك أن تدعو عليهم !!!
فقال :إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم.

وقيل : ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه ؛ بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه .
وقال أبو القاسم الحكيم من خاف شيئا هرب منه ومن خاف الله هرب إليه
وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة ، ولو رغب فى الجنة كما يرغب فى الغنى لفاز بهما جميعا ولو خاف الله فى الباطن كما يخاف خلقه فى الظاهر لسعد فى الدارين جميعا
وقيل ليحيى بن معاذ من آمن الخلق غدا فقال أشدهم خوفا اليوم
وقال سهل رحمه الله لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال
وقيل للحسن يا أبا سعيد كيف نصنع نجالس أقواما يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال والله إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف .
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله ما فارق الخوف قلبا إلا خرب
وكان محمد بن المنكدر رحمه الله إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع
وقال كعب الأحبار:والذي نفسي بيده لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلي من أن أتصدق بجبل من ذهب .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
الخوف أفضل أم الرجاء :
هذا السؤال يضاهي قول القائل الخبز أفضل أم الماء ؟
وجوابه : أن يقال الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل وإن استويا فهما متساويان .
فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى والاغترار به فالخوف أفضل وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله فالرجاء أفضل وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل.
وروى أن عليا كرم الله وجهه قال لبعض ولده يا بني خف الله خوفا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك .
ولذلك قال عمر رضي الله عنه لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل.
ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل .
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما إذا توضأ أصفر لونه فيقولون له أهله ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم .
وروي أن الفضيل رؤي يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلي المحترقة حتى إذا كادت الشمس تغرب قبض على لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال واسوأتاه منك وإن غفرت !!! .
ومر الحسن بشاب وهو مستغرق في ضحكه وهو جالس مع قوم في مجلس فقال له الحسن يا فتى هل مررت بالصراط ؟
قال لا قال فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟
قال لا قال فما هذا الضحك قال فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكا .
ودخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فقال عظني يا يزيد فقال يا أمير المؤمنين اعلم أنك لست أول خليفة يموت فبكى ثم قال زدني قال يا أمير المومنين ليس بينك وبين آدم أب إلا ميت فبكى ثم قال زدني يا يزيد فقال يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الجنة والنار منزل فخر مغشيا عليه

حسين عامر
09-09-2011, 08:50 AM
التوحيد والتوكل
قال الشاعر :
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذن من جهلهن البهائم
(الحجا : العقول )

قيل لأبي الدرداء في مرضه ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال مغفرة ربي قالوا ألا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني
وقال على كرم الله وجهه كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد
وكان أحمد بن حنبل يخبر بأمراض يجدها ويقول : انما أصف قدرة الله تعالى في

المحبة والشوق والأنس والرضا

وقال يحي ابن معاذ عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه وحبه يدهش العقول فكيف وده ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه
وقال حذيفة عند الموت حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم
ويروى عن إسحق بن سعد بن أبى وقاص قال حدثنى أبى أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب إنى أقسمت عليك إذا لقيت العدو غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم يأخذنى فيجدع انفى وأذنى ويبقر بطنى ..... فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك يارب وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط
وقال ابن المبارك :
تعصي الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لاطعته إن المحب لمن يحب مطيع
كما قال بعضهم كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة

حسين عامر
09-13-2011, 11:32 PM
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله تعالى‏.‏
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز‏:‏ اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له وإن نقصت نقص بقدره‏.‏
وقال بعض السلف‏:‏ رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية‏.‏
وقال سهل رحمه الله تعالى‏:‏ ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل‏!‏ قيل‏:‏ يا أبا محمد هل تعرف شيئاً أشد من الجهل قال‏:‏ نعم الجهل بالجهل‏.‏
وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بالكلية بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم
قال الحسن بن علي رضي الله عنهما‏:‏ من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال‏:‏ أخاً مستفاداً في الله أو رحمة مستنزلة أو علماً مستظرفاً أو كلمة تدل على هدى أو تصرفه عن ردى أو يترك الذنوب خشية أو حياء‏.‏
ونادى بعضهم امرأته وكان يسرح شعره أن هات المدري(المشط ) فقالت‏:‏ أجيء بالمرآة فسكت ساعة ثم قال‏:‏ نعم فقيل له في ذلك فقال‏:‏ كان لي في المدري نية ولم تحضرني في المرآة نية فتوقفت حتى هيأها الله تعالى‏.‏
وكان أحدهم إذا سئل عملاً من أعمال البر يقول‏:‏ إن رزقني الله تعالى نية فعلت‏.‏
وفي الإسرائيليات‏:‏ أن عابداً كان يعبد الله دهراً طويلاً فجاءه قوم فقالوا‏:‏ إن ههنا قوماً يعبدون شجرة من دون الله تعالى فغضب لذلك وأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها ، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال‏:‏ أين تريد رحمك الله قال‏:‏ أريد أن أقطع هذه الشجرة
قال‏:‏ وما أنت وذاك‏!‏ تركت عبادتك واشتغالك بنفسك وتفرغت لغير ذلك‏!‏ فقال‏:‏ إن هذا من عبادتي قال‏:‏ إني لا أتركك أن تقطعها فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره .
فقال له إبليس‏:‏ أطلقني حتى أكلمك فقام عنه
فقال إبليس‏:‏ يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك‏!‏ وما تعبدها أنت وما عليك من غيرك ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها‏!‏ فقال العابد‏:‏ لا بد لي من قطعها فنابذه للقتال فغلبه العابد وصرعه وقعد على صدره فعجز إبليس .
فقال له‏:‏ هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع قال‏:‏ وما هو قال‏:‏ أطلقني حتى أقول لك فأطلقه فقال إبليس‏:‏ أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسي جيرانك وتشبع وتستغني عن الناس‏!‏
قال‏:‏ نعم
قال‏:‏ فارجع عن هذا الأمر ولك على أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين إذا أصبحت أخذتهما فأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها ولا يضرهم قطعها شيئاً ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها‏!‏
فتفكر العابد فيما قال وقال‏:‏ صدق الشيخ‏!‏ لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله أن أقطعها فأكون عاصياً بتركها وما ذكره أكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه فأخذهما وكذلك الغد ثم أصبح اليوم الثالث وما بعده فلم ير شيئاً فغضب وأخذ فأسه على عاتقه فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال له‏:‏
إلى أين قال‏:‏ أقطع تلك الشجرة فقال‏:‏ كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليها قال‏:‏ فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة فقال‏:‏ هيهات فأخذه إبليس وصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجليه وقعد إبليس على صدره .
وقال‏:‏ لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك فنظر العابد فإذا لا طاقة له به قال‏:‏ يا هذا غلبتني فخل عني وأخبرني كيف غلبتك أولاً وغلبتني الآن فقال‏:‏ لأنك غضبت أول مرة لله وكانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك‏.‏
هذه الحكايات تصديق قوله تعالى ‏"‏ إلا عبادك منهم المخلصين ‏"‏ إذ لا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص
ولذلك كان معروف الكرخي رحمه الله تعالى يضرب نفسه ويقول‏:‏ يا نفس أخلصي تتخلصي‏.‏
وقال سليمان‏:‏ طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى‏.‏
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري‏:‏ من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس
وكتب بعضهم إلى أخ له‏:‏ أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل‏.‏
وقال أيوب السختياني‏:‏ تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال‏.‏
وكان مطرف يقول‏:‏ من صفا صفي له ومن خلط خلط عليه‏.‏
وقال يحيى بن معاذ : الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم:
ويروى عن بعضهم قال‏:‏ غزوت في البحر فعرض بعضنا مخلاة فقلت‏:‏ أشتريها فأنتفع بها في غزوي فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها فاشتريتها .....
فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ اكتب الغزاة فأملي عليه خرج فلان متنزهاً وفلان مرائياً وفلان تاجراً وفلان في سبيل الله ثم نظر إلي وقال‏:‏ اكتب فلان خرج تاجراً!!!
فقلت‏:‏ الله الله في أمري‏!‏ ما خرجت أتجر وما معي تجارة أتجر فيها ما خرجت إلا للغزو فقال‏:‏ يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح بها فبكيت وقلت‏:‏ لا تكتبوني تاجراً فنظر إلى صاحبه وقال‏:‏ ما ترى فقال‏:‏ اكتب خرج فلان غازياً إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز وجل فيه بما يرى‏.‏
قال السوسي‏:‏ الإخلاص فقد رؤية الإخلاص فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص‏.‏
وما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل فإن الالتفات إلى الإخلاص والنظر إليه عجب وهو من جملة الآفات والخالص‏:‏ ما صفا عن جميع الآفات فهذا تعرض لآفة واحدة‏.‏
وقال سهل رحمه الله تعالى‏:‏ الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة .
وقيل له:‏ أي شيء أشد على النفس فقال‏:‏ الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص بأن يعافيك الله منهما‏.‏

ابراهيم الهلالي
09-15-2011, 04:10 PM
نعجز والله عن شكرك فضيلة الشيخ على هذه الدرر
انتقاء بعلم
وتعليق بحكمة
وهمة نسأل الله أن يبارك لك فيها ، وأن يبارك لنا فيك
وفوائد حقيق على طالب العلم حفظها أو إدامة النظر فيها

تقبل مروري فضيلة الشيخ

حسين عامر
09-20-2011, 10:00 PM
وبارك الله فيكم أخي الفاضل

وأسأل الله أن يوفقك وأن يسددك وأن يجعلك منارا يهتدي بها
وأشكر فيك حسن ظنك في

حسين عامر
09-28-2011, 11:03 PM
المراقبة والمحاسبة
قال ابن المبارك لرجل : راقب الله تعالى فسأله عن تفسيره فقال كن أبدا كأنك ترى الله عز وجل .

وقال عبد الواحد بن زيد :إذا كان سيدي رقيبا على فلا أبالى بغيره

وقال أبو عثمان المغربي: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم

وقال أبو حفص: إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك .

وحكى أنه كان لبعض المشايخ تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد بطائره مذبوحا ورجع الشاب والطائر حي في يده !!!
فقال ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟
فقال لم أجد موضعا لا يرانى فيه أحد إذ الله مطلع على فى كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا حق لك أن تكرم.

وحكى أن زليخا لما همت بيوسف عليه السلام قامت فغطت وجه صنم كان لها فقال يوسف مالك أتستحيين من مراقبة جماد ولا أستحيى من مراقبة الملك الجبار
وحكى عن بعض الأحداث (الشباب)أنه راود جارية عن نفسها فقالت له ألا تستحيى فقال ممن أستحيى وما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها

وقال رجل للجنيد بم أستعين على غض البصر فقال بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه

وقال محمد بن علي الترمذي : اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك وأجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمة عنك وأجعل طاعتك لمن لا تستغنى عنه وأجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه .

وقال سهل : لم يتزين القلب بشىء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله شاهدة حيث كان

وسئل بعضهم عن قوله تعالى : (رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه) فقال معناه ذلك لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده

وسئل ذو النون بم ينال العبد الجنة فقال بخمس استقامة ليس فيها روغان واجتهاد ليس معه سهو ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية وانتظار الموت بالتأهب له ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب .
وقد قيل :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب
وأن غدا إذا للناظرين قريب


وقال سفيان الثورى: عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة

وقال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر ابن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة فعرسنا في بعض الطريق فانحدر عليه راع من الجبل فقال له يا راعى بعنى شاة من هذه الغنم فقال إنى مملوك
فقال قل لسيدك أكلها الذئب
قال فأين الله!!!!
قال فبكى عمر رضى الله عنه .... ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

وحكى عن بعضهم أنه قال مررت بجماعة يترامون وواحد جالس بعيدا منهم فتقدمت إليه فأردت أن أكلمه فقال ذكر الله تعالى أشهى فقلت وحدك فقال معي ربي وملكاي فقلت من سبق من هؤلاء فقال من غفر الله له فقلت أين الطريق فأشار نحو السماء وقام ومشى

وقال الحسن رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر .

وفي حديث سعد حين أوصاه سلمان اتق الله عند همك إذا هممت .

وكان دعاء الصديق رضى الله تعالى عنه اللهم أرني الحق حقا وارزقنى اتباعه وأرني الباطل باطلا وارزقنى اجتنابه ولا تجعله متشابها على فأتبع الهوى.

وقال عيسى عليه السلام الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه وأمر استبان غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه

وقال أنس بن مالك سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يوما وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطا(بستانا) فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في الحائط عمربن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله أو ليعذبنك .

وقال الحسن في قوله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة قال لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ماذا أردت بأكلتي ماذا أردت بشربتي والفاجر يمضى قدما لا يعاتب نفسه .

وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا .

وقال إبراهيم التيمي مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي يا نفس أي شيء تريدين فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاقلت فأنت في الأمنية فاعملي .

كما نقل عن توبة ابن الصمة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب .

ويحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال متى بنيت هذه ثم أقبل على نفسه فقال تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة فصامه

وقال الحسن: أدركت أقواما وصحبت طوائف منهم ما كانوا يفرحون بشىء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شىء منها أدبر ولهى كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الذى تطئونه بارجلكم .

وقال أبو الدرداء لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا الظمأ لله بالهواجر والسجود لله في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر

وكان أبو مسلم الخولانى قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومى فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا منى فإذا دخلت الفترة( الكسل ) تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت أولى بالضرب من دابتى .
وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا.

وقال القاسم بن محمد :غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هى تصلى صلاة الضحى وهى تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكى وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهى كما هى فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتى ثم أرجع ففرغت من حاجتى ثم رجعت وهى كما هى تردد الآية وتبكى وتدعو .

وقيل للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره .

حسين عامر
10-13-2011, 02:55 AM
دررمن كتاب إحياء علوم الدين (كتاب التفكر )
عن الحسن قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة


وعن الفضيل قال الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك


وكان سفيان بن عيينة كثيرا ما يتمثل بقول القائل:
إذا المرء كانت له فكرة ------ ففى كل شئ له عبرة


وعن طاوس قال: قال: الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك فقال نعم من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة فإنه مثلى .

وقال الحسن من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو.

وقال بشر لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل .

وعن ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب


وقال أبو سليمان عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر


وقال حاتم من العبرة يزيد العلم ومن الذكر يزيد يزيد الحب ومن التفكر يزيد الخوف


وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه.

وقال الشافعى رحمه الله تعالى استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر


وقال أيضا : صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة .

حسين عامر
10-26-2011, 03:46 AM
ذكر الموت وما بعده
عن حذيفة أنه لما حضرته الوفاة قال حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة والموت احب إلى من العيش فسهل على الموت حتى ألقاك.

قال الحسن رحمه الله تعالى فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى لب فرحا .


وقال الربيع بن خثيم ما غائب ينتظره المؤمن خيرا له من الموت .

وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذا كرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة .


وقال إبراهيم التيمى شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل .


وقال كعب من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها
وقال عمر بن عبد العزيز لبعض العلماء عظني فقال لست أول خليفة تموت
قال زدني قال ليس من آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت وقد جاءت نوبتك (دورك) فبكى عمر لذلك .


وكان الربيع بن خثيم قد حفر قبرا في داره فكان ينام فيه كل يوم مرات يستديم بذلك ذكر الموت وكان يقول لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد


وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه(يقصد نعيم الجنة)

وقال عمر بن عبد العزيز لعنبسة اكثر ذكر الموت فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك .


وقال أبو سليمان الداراني قلت لأم هارون أتحبين الموت قالت لا قلت لم قالت لو عصيت آدميا ما اشتهيت لقاءه فكيف أحب لقاءه وقد عصيته.

وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني مؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل وليس يغفل عنه وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض .
وثلاث أحزنتني حتى أبكتني فراق الأحبة محمد وحزبه وهول المطلع والوقوف بين يدي الله ولا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار.

وكان علي كرم الله وجهه يحض على القتال ويقول إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موت على فراش.

وقال الحسن لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله ومن كانت راحته في لقاء الله تعالى فيوم الموت يوم سروره وفرحه وأمنه وعزه وشرفه.

ومرض اعرابي فقيل له إنك ستموت فقال أين يذهب بي قالوا إلى الله قال فما كراهتي أن أذهب إلى من لا يرى الخير إلا منه


وقال أبو المعتمر بن سليمان : قال أبي لما حضرته الوفاة يا معتمر حدثني بالرخص لعلى ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به .
وكانوا يستحبون أن يذكر للعبد محاسن عمله عند موته لكى يحسن ظنه بربه.

ودخل ملك الموت على سليمان بن داود عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فلما خرج قال الرجل من هذا قال هذا ملك الموت قال لقد رأيته ينظر إلى كأنه يريدني قال فماذا تريد قال أريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتى تحملني إلى أقصى الهند ففعلت الريح ذلك ....

ثم قال سليمان لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائي قال نعم كنت أتعجب منه لأني كنت أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة قريبة وكان عندك فعجبت من ذلك.

لما احتضر أبو بكر رضي الله تعالى عنه جاءت عائشة رضي الله عنها فتمثلت بهذا البيت :
لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ----- إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال ليس كذا ولكن قولي (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد)
انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي إلى الجديد أحوج من الميت
ودخلوا عليه فقالوا ألا ندعوا لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلى طبيبي وقال إني فعال لما أريد


ولما ثقل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأراد الناس منه أن يستخلف فاستخلف عمر رضي الله عنه فقال الناس له استخلفت علينا فظا غليظا فماذا تقول لربك فقال أقول استخلفت على خلقك خير خلقك


ثم أرسل إلى عمر رضي الله عنه فجاء فقال إني موصيك بوصية اعلم إن لله حقا في النهار لا يقبله في الليل وأن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل وإنما خفت موازين من خفت موزاينهم يوم القيامة باتباع الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلاالباطل أن يخف ...

لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة قال أقعدوني فأقعد فجعل يسبح الله تعالى ويذكره ثم بكى حتى علا بكاؤه وقال يا رب أرحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي اللهم أقل العثرة واغفر الزلة وعد بحلمك على من لا يرجو غيرك ولم يثق بأحد سواك
ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا بيده ثم يضرب به المغسلة فقال عبد الملك ليتني كنت غسالا آكل من كسب يدي يوما بيوم ولم أل من أمر الدنيا شيئا !!!
فبلغ ذلك أبا حازم فقال الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه

ولما ثقل عمر بن عبد العزيز وحضرته الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك يا أمير المؤمنين أبشر فقد أحيا الله بك سننا وأظهر بك عدلا فبكى ثم قال أليس أوقف فأسئل عن أمر هذا الخلق فوالله لو عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها الله حجتها فكيف بكثير مما ضيعنا وفاضت عيناه
ولما قرب وقت موته قال أجلسوني فأجلسوه فقال أنا الذي امرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ثلاث مرات ولكن لا إله إلا الله .


وحكى عن هارون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند الموت وكان ينظر إليها ويقول ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه


وفرش المأمون رمادا واضطجع عليه وكان يقول يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه
وقال الحجاج عند موته اللهم أغفر لي فإن الناس يقولون إنك لا تغفر لي فكان عمر بن عبد العزيز تعجبه هذه الكلمة منه ويغبطه عليها !!!
ولما حكى ذلك للحسن قال أقالها قيل نعم قال عسى.

ولما حضرت معاذا رضي الله عنه الوفاة قال اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم ارجوك اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجرى الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

ولما حضرت سلمان الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى جزعا على الدنيا ولكن عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب فلما مات سلمان نظر في جميع ما ترك فإذا قيمته بضعة عشر درهما .

ولما حضرت بلالا الوفاة قالت امرأته واحزناه فقال بل واطرباه غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه


وقيل فتح عبد الله بن المبارك عينه عند الوفاة وضحك وقال لمثل هذا فليعمل العاملون


ولما حضرت إبراهيم النخعي الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال انتظر من الله رسولا يبشرني بالجنة أو بالنار


ولما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك فقال والله ما أبكى لذنب أعلم أني أتيته ولكن أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم .


ولما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن ابكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء .


ودخل المزني على الشافعي رحمة الله عليهما في مرضه الذي توفي فيه فقال له كيف أصبحت يا أبا عبد الله فقال أصبحت من الدنيا راحلا وللإخوان مفارقا ولسوء عملي ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى الله تعالى واردا ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم أنشأ يقول :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ---- جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ---- بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم ------ تزل تجود وتعفو منة وتكرما
ولولاك لم يغوي بإبليس عابد ----- فكيف وقد أغوى صفيك آدما

وكان الربيع بن خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت يرددها ثم يرد على نفسه يا ربيع قد رجعتك فاعمل.

وقال مالك بن دينار مررت بالمقبرة فأنشأت أقول:
أتيت القبور فناديتها ---- فأين المعظم والمحتقر
وأين المدل بسلطانه ---- وأين المزكى إذا ما أفتخر
قال فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا وهو يقول:
تفانوا جميعا فما مخبر
وماتوا جميعا ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثرى
فتمحو محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناس مضوا
أما لك فيما ترى معتبر

ويروى أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) فقال الأعرابي فوالله ما انقذكم منها وهو يريد أن يوقعكم فيها فقال ابن عباس خذوها من غير فقيه
--------------------------------

وبهذا تنتهي رحلتنا مع كتاب إحياء علوم الدين والحمد لله ذي الفضل والمنة

وأستغفر الله تعالى من كل ما زلت به القدم أو طغى به القلم
ونستغفره من أقوالنا التى لا توافقها أعمالنا
ونستغفره مما ادعيناه وأظهرناه من العلم والبصيرة بدين الله تعالى مع التقصير فيه
ونستغفره من كل علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثم خالطه غيره
ونستغفره من كل وعد وعدناه به من أنفسنا ثم قصرنا فى الوفاء به
ونستغفره من كل نعمة أنعم بها علينا فاستعملناها فى معصيته

حسين عامر
10-26-2011, 03:51 AM
إن شاء الله أقوم حاليا بجمع هذه المقالات على ملف وورد وسوف أرفعها على المنتدى لمن شاء أن يستفيد بها من إخواني
فنسأل الله العون والقبول

حسين عامر
10-27-2011, 06:05 AM
رابط التحميل :
درر من كلام وأحوال السلف من كتاب إحياء علوم الدين (http://www.4shared.com/get/B1xNNz4m/__________.html)